دعا «المركز اللبناني للدراسات» الحكومة إلى التحرك سريعاً لمواجهة تحديات أزمة إنسانية لا سابق لها في لبنان، حيث تضع الصدمة السكانية الكبرى الناجمة عن تدفق أعداد هائلة من اللاجئين السوريين، نظام تقديم الخدمات المحلية الضعيف أصلاً أمام ضغوط جمّة.
وفي تقرير بعنوان «ضرورة إصلاح مالية البلديات لمعالجة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في لبنان«، لاحظ المركز أنه بسبب القيود الإدارية والمالية، تعجز البلديات عن الاستجابة للطلبات المتزايدة الصادرة عن قواعدها الشعبية المتنامية، ناهيك عن الاستثمار في التنمية الاقتصادية المحلية.
التقرير الذي أعده سامي عطا الله ورنيم بعاصيري وجنى حرب، يرصد معاناة نظام مالية البلديات من أوجه قصور وثغرات كثيرة. إذ أنّ الصندوق البلدي المستقل يستند الى معايير توزيع غير عادلة تؤدي إلى تخصيص الموارد بشكل غير مناسب. كما أن صرف الأموال يجري بأسلوب غير شفاف وغير منتظم في معظم الأحيان.
وبحسب المركز، يتّصف النظام الضريبي المحلي بضعف معدلات تحصيل الضرائب، وعدم وجود محفظة متنوعة من الإيرادات، وتراكم الضرائب غير المدفوعة. وعلاوة على ذلك، لا تستغل البلديات بشكل كافٍ الموارد المالية التكميلية التي توجد حاجة ملحّة إليها لملء الفجوة الحاصلة في الاستثمار.
لذلك، يدعو التقرير الى وضع معايير توزيع أكثر إنصافاً للصندوق البلدي المستقل فضلاً عن تحسين التوقيت والشفافية في صرف الأموال. ويجب، برأي معدّيه، إعادة النظر في النظام الضريبي المحلي، وينبغي اتخاذ خطوات من أجل تحسين قدرات البلديات في إدارة الضرائب وجبايتها. كما أن على الحكومة أن تعيد النظر في قرار منع البلديات من الحصول على قروض ويجب النظر في الدور الذي يلعبه القطاع الخاص في الاستثمار في التنمية الاقتصادية المحلية وتشجيع هذا الدور من خلال تعاون مشترك مع البلديات.
وانتهى التقرير، بعد ملاحظة أن البلديات مقيّدة إدارياً ومالياً، وعاجزة لهذا السبب عن التعاطي مع الوضع على نحوٍ سليم وفعّال، إلى إصدار توصيات يدعو فيها إلى سدّ الفجوات في الصندوق البلدي المستقل، وزيادة كفاءة النظام الضريبي المحلي ورفع عائداته، فضلاً عن تسهيل تأمين الموارد المالية التكميلية، وذلك ضمن إصلاحات رئيسية، تشمل:
سد فجوات الصندوق البلدي
فشل نظام الهبات الحكومي الداخلي في لبنان مع كل عيوبه وشوائبه في دعم البلديات في مجال تقديم الخدمات والتنمية المحلية. وكون الصندوق البلدي المستقل هو المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة الى عدة بلديات (حيث يشكل 36 في المئة من عائدات البلديات كمعدّل متوسط، بينما تصل هذه النسبة الى 90 في المئة في بعض البلديات الصغيرة)، من الأهمية بمكان أن تُعتمد السياسات التي تتصدّى لهذه النواقص. لزيادة الكفاءة والإنصاف في الصندوق البلدي المستقل، يتعين على الحكومة إصلاح آلية صرف الأموال فضلاً عن إعادة تحديد معايير التوزيع. أما التوصيات حول الإصلاح فهي تندرج ضمن مكوّنين فرعيين:
[ نحو مدفوعات أكثر شفافية
من أجل التخفيف من حالة عدم اليقين وعدم الاستقرار في تخطيط ووضع الميزانية للبلدية ، لا بدّ من تنفيذ الإصلاحات التالية:
- إنشاء مؤسسة جديدة مستقلة للإشراف على الصندوق البلدي المستقل وإدارته على أن تخضع لرقابة ديوان المحاسبة.
- الكشف عن أرقام الضرائب المحصّلة من أجل جعل مصدر دخل الصندوق البلدي المستقل شفافاً.
- وقف جميع الاقتطاعات والسحوبات وخصوصاً تلك التي لا علاقة لها بالبلديات. بالإضافة إلى ذلك، توفير مزيد من المعلومات حول الاقتطاعات من الصندوق البلدي المستقل التي جرت في السنوات الأخيرة، وإشراك البلديات في عملية صنع القرار هذه.
- تبسيط وتسهيل المعاملات بين الوزارات بالنسبة الى صرف أموال الصندوق البلدي المستقل سنوياً من أجل تحسين توقيت الصرف (النظر في إعادة استحداث وزارة للبلديات تحقيقاً لهذا الغرض).
[ معايير توزيع أكثر إنصافاً
الإصلاحات المطلوبة لعكس الاحتياجات الفعلية للبلديات، ومكافئة تلك التي تمارس جهداً في تحصيل الضرائب، وإغلاق الفجوة بين البلديات الفقيرة والغنية هي:
- إعادة النظر في صيغة التوزيع واستبدال السكان المسجلين بالسكان المقيمين كي تتوافق هذه الصيغة مع مسؤوليات البلديات في تقديم الخدمات للمواطنين.
- إعادة النظر في صيغة التوزيع وإضافة معدل تحصيل الضرائب كمعيار من أجل زيادة المساواة بين البلديات، وتحفيزها على بذل المزيد من الجهود لتحصيل الضرائب الخاصة بها.
- تحديد حد أدنى معياري للتمويل لجميع البلديات من أجل السماح للبلديات الفقيرة بتغطية التكاليف الأساسية.
- تحديد البلديات الأفقر التي تحتاج إلى مساعدة إضافية للتنمية من خلال تقييم وتصنيف البلديات وفقاً لمستواها التنموي وليس لحجمها.
اقترح عدد من خبراء السياسات العامة ورؤساء مجالس البلديات إدخال تغيير جذري الى نظام التوزيع في الصندوق البلدي المستقل، ألا وهو إلغاء الصندوق من الوجود. أما البديل المقترح للصندوق فهو إنشاء صندوق للتنمية المحلية من شأنه تمويل البلديات على أساس المشاريع. على أن يسعى إلى تمكين البلديات لتعزيز إيراداتها وكذلك الاستثمار في مشاريع تنموية طويلة الأجل.
تعزيز نظام الضرائب المحلي
نظراً لعدم كفاءة النظام الضريبي المحلي وضعف القدرات الإدارية، فإن الإيرادات البلدية المباشرة منخفضة وتفتقر إلى التنويع. من الضروري تقوية النظام الضريبي المحلي لأنه يعزز الاستقلالية المالية للبلديات وبالتالي يحسّن قدرتها على تنفيذ مجموعة واسعة من المهام الموكلة إليها بموجب القانون. ومن أجل رفع وتنويع الإيرادات المحلية المباشرة، يوصى بالإصلاحات التالية:
- تمويل مشاريع تحسين القدرة المحلية على إدارة الضرائب وتحصيلها والتصدي لأسباب عدم التحصيل.
- إعادة النظر في النظام الضريبي المحلي وتحديد رسم القيمة التأجيرية المقدر حاليا والذي يُعدّ أكبر مصدر للإيرادات المحلية، وذلك على الصعيد الوطني من أجل وقف التلاعب به.
- النظر في «العفو الشامل« عن الضرائب القديمة المتراكمة غير المدفوعة.
تأمين الموارد المالية التكميلية
يسجّل لبنان تقصيراً كبيراً مقارنة بالدول الأخرى بالنسبة الى حصة الإنفاق المحلي من الإنفاق الحكومي المركزي. على الرغم من أن إصلاح الصندوق البلدي المستقل والنظام الضريبي المحلي سيزيد من الإيرادات المحلية ويضمن درجة أكبر من الاستقلالية المالية، من غير المحتمل أن يغطي الاحتياجات الاستثمارية للبلديات. وإحدى الطرق للتعامل مع النقص في رأس المال هي السماح للبلديات باقتراض الأموال للاستثمار. تحقيقاً لهذه الغاية، نوصي الحكومة اللبنانية بتنفيذ الإصلاحات التالية :
- تقييم الجدارة الائتمانية للبلديات وتحديد تلك التي تتمتع بالجدارة الائتمانية.
- إعادة النظر في قرار منع البلديات من الحصول على قروض من البنوك والنظر في توسيع دور الصندوق البلدي المستقل ليلعب دور الكفيل للبلديات الراغبة في الاقتراض.
- تحويل الصندوق البلدي المستقل إلى صندوق للتنمية يوفر القروض للبلديات التي ترغب في تنفيذ المشاريع التنموية على المدى المتوسط والطويل. ويحتفظ الصندوق بدوره الحالي المتمثل بصرف الإيرادات من الحكومة المركزية إلى البلديات. ولكن في هذه الحالة، يمكن أن تختار البلديات الاقتراض مقابل حصتها من أموال الصندوق التي ستكون بمثابة ضمانات لدى الصندوق البلدي المستقل.
ويجب أيضا تشجيع البلديات لطلب المساعدة من المجلس الأعلى للخصخصة الذي يقدّم المساعدات التقنية وكذلك الاستشارات القانونية حول كيفية التعاون مع القطاع الخاص.