بعد «آه» أولى، صدرت للفنانة يولا خليفة آهتان أخريان في اسطوانة جديدة بعنوان «آه وآه»، لتصبح في رصيدها، ثلاث آهات في اسطوانتين منفردتين، حملتا تيه نفسٍ، واختلاجات عاطفةٍ، وسط دوّامات من قلق مستعصٍ، وعواصفَ متتالية في حياةٍ، مترعة بالآهات، فيما يبدو،لا بداية معروفة لها ولا نهاية.
تعود يولا بعد اسطوانتها الأولى «آه»، لتكرّس ولهَها بالكلمة. انها مسكونة بسحر الحروف، تلملمها كلمات، متناثرة في خزان ذاكرتها، وأحاسيسها المتشظية، فتقفز معلنة عن اختمارها، مموسقة سلفاً، قبل ان تولد على الوريقات حبراً، وعلى الأوتار أنغاماً.
من أعماق إنسان، ثقُلت بتراكمات ماضٍ وحاضر ومستقبل، تنبثق كلمة يولا وموسيقاها. تحاول التخفيف من أثقالها، عبر تحريرها، من بئر المخاوف متعددة الأوجه: من تعاقب حروب، من خيبات، انكسارات، وتأجيل أحلام، وتضحيات، من هموم الغير، من معاناة الوطن، الارض. ترتسم حروفها رويداً، قبل ان ترسمها بقلمها ودموعها وترنمها، آهات موجعة، ودندنات أثيرية، وشوشات نغمية هانئة تطمئن الطفلة القابعة في زاوية قلبها، متقوقعة، خائفة، تحثها كي تستفيق فيها، وتنضج، امرأة متسامحة مع ذاتها والآخرين، متحررة تحلم بالحب وتعبر بقوة الكلمة وجرأة اللحن بلا مخاوف او قيود.
وفي الوقت نفسه تلفتها كلمات آخرين، لها الوقع نفسه في اعماقها، لعلّها تُخرج الأسى، الراسخ فيها. تغني لهالة محمد: «..حين تلمس بعينيك جسدي تغفو جفونك على اضطرابي..». تستقي من اضطراب الكاتبة هالة، قلقاً إضافياً، ترتوي به، فيبوح صوتها هامساً: «...يتداخل في مسام جلدي ..ليوقظ امرأة طفلة...لأسقي بخجلي حضورك، الحبق في ذاكرتي ورقة ورقة.«.
«كلنا من تراب» نص آخر لهالة محمد، يعكس في طياته صورَ «حرمان»، أسى عميق: «لم اعرف العوسج ولا السوسن... ياسمين المدن الشهير، في أزقة القصائد لمحته...عرفت القطن في السهل، ملمسه الابيض الفسيح، يحيي شفوق ذاكرتي، وحضن شقائق النعمان على سطح ذاك البيت، كلنا من تراب.». وفي نص مرام المصري «لا تنظر»، حيث له صدى في روحها التي تسرح في ربيع متجدد : «لا تنظر الى هذه الكدمة الزرقاء ولا الى الجرح الذي يعلو قلبي... لا تنظر الى التجاعيد التي بدأت تحفر حول عيني ولا الى الشعرات البيضاء التي تنبت في رأسي، فقط لروحي..عشب اذار الجديد.». ولا يبتعد نص رحاب الحلو، شعراً وموسيقى، عن تلك المعاني، كثيراً، حين تتساءل:... ياقلبي ما بالك؟.. تخفق لطاعنك تفرح بجارحك ما بالك؟.».
وفي السياق نفسه، ترسم صورة طفلة تعيش الفراغ والوحدة، من خلال نص دعد حداد «وأنا طفلة»: «...أحاور السكون البريّ والقمر الشاحب...ما هذه المسافات والفراغات وأنا أركض وحدي بلا نهاية...».
وربما نص أغنية «في جناحي»، من كتابة أخين ولات، له الأثر الأعمق في نفس يولا، اذ حفر فينا شخصياً: «أنا من سرق لحبيبته مشمشة وكرزتين، انا من قال أنا فقالوا لن تكون، أنا، أنا، أنا... أنا الابن الوحيد لملايين النساء، كلهن هززن مهدي الصغير وكلهن زغردن لعرسي الحزين...خانتني الملائكة يا أمي، لم تحمني كما كنتِ دوماً تقولين، لكَ دمي كله، يا وطني المؤلم أكثر من الرصاص في جناحي، إشربه وانتعش بي..».
ولعل كتابة بشار خليفة لكلمات «ترحال»، ومشاركته والدته الغناء ايضاً تعبير عن لسان حال يولا الام، حيث الاولاد بعيدون، عن حضن الام والارض، كما لسان حال كل ام ابنها مهاجر.
وربما النص الوحيد الذي حمل تفاؤلاً ورضىً، رنّمته بسكون، نصاً شعرياً قصيراً، رسم صورة خلابة للحب، كتبته عائشة أرناؤوط: «عندما أحبك..أمتلئ بالعصافير، لأنك تسكنني، وفي ابجدية القلب لا يعود للخسوف من مكان»، هنا تنبعث همسات يولا مداعبة أصداء الغابات، تدعمها خلفية موسيقية متهاودة وايقاع بالكاد يسمع.
بعد سنوات من الصمت، تعلن يولا عن نفسها بثقة، تكتب، تلحن، تدندن، ترنم، تغني ما اعتمل طويلاً في داخلها، وبدأ البركان رويداً بإخراج حممه، بركان يولا خليفة، ظاهره جماليات شعرية لحنية غنائية حميمة وصفاء روحاني، وباطنه يتفجر بوضوح، معلناً ثورته، صارخاً بوجه القيود، يتوق الى التحليق والخروج من القمقم، الذي بقيت فيه قسراً أو طوعاً لوقت طويل.
أداء يولا لا بد ان ترتاح له الأذن، يعبر بصفاء ورهافة، بعيداً من الادعاء، اوالتصنع، بلا رتوش ولا صخب موسيقي مفتعل، هي تنشد الهدوء والتنفيس فحسب، من هنا تشعر بسكينة ورضى حين سماعها وكأنها تمارس طقوس تأمل.
بعد هذا الشغف الشعري، ليولا، نخلص الى ان الاسطوانة، تحمل عنصرين بالأهمية نفسها: الاول مشروع «يولا خليفة»، الفكري، الشعري، التأملي والتعبيري بالمعنى الحرفي. وفي المرتبة الثانية يأتي المشروع الغنائي. إلا أن الموسيقى لعبت دوراً كبيراً متفرداً سواء من ناحية الالحان ومن ناحية التوزيع الآلي والتنسيق مابين معاني الكلمات ودعمها بالموسيقى، كعنصر هام، منح الكلمة بُعداً، وتأثيراً اكبر فينا حين تتلون الأخيرة وتمتزج باللحن والصوت.
يمكننا الاشارة الى «آه وآه»، على انها اسطوانة موسيقية، في حال لم يرافقها غناء او كلمات. فاللافت ان الموسيقى التي وُضعت للأغنيات، ليست «ميلوديات» مسطحة او أفقية مقامية بسيطة، كما في أداءات المقاطع الغنائية بصوت يولا، بل في غالبيتها مؤلفات تقترب من التقاليد الكلاسيكية الغربية، وقواعدها المعروفة في التأليف.
فنستمع الى لمسة رامي خليفة كتلك التي عرفناها من قبل، في عزفه على البيانو والتي اصبحت مرادفة له، وهي اسلوب النقر السريع على مفاتيح البيانو من الخارج ومن الداخل، وصولا الى استخدامها كإيقاع ايضاً، كما في الاغنية الاولى «دعني أحبك»، نقرات بيانو متسارعة تتشابك وارتعاشات الكلمة، تتوالى مع لفظ يولا الذي يترنم بانفلات جميل، ثم ينفرد رامي على مفاتيحه في استرخاء مواز لمناخ الاغنية وفي ختامها.
«عندما أحبك»، توزيع موسيقي لافت لبيتر هربرت على لحن يولا، التي لحنت ايضاً «وأنا طفلة»من كتابة دعد حداد، ولمرسيل لحن وحيد بمشاركة رامي خليفة متنوع التوزيع الاوركسترالي والايقاعات لاغنية «حين تلمس»، واخيرا كتب بشار خليفة ووضع موسيقى أغنية «ترحال».
وفي اغنية «عندما احبك» مناخ موسيقي ممتع التمع فيه صوت يولا، وموسيقى ترافقها باصوات وتريات خفيفة النبر، ابدع في توزيعها بيتر هربرت ايضاً، والاخير منح موسيقى اغنيات اخرى أجواء الموسيقى الكلاسيكية بتنويعات لمختلف الالات، الوتريات على وجه الخصوص، ومختلفة الاجواء، كما في موسيقى وضعتها رحاب الحلو لأغنيات: «كلنا من تراب» و»لا تنظر» و»يا قلبي». ورغم ان اغنية «في جناحي» وضعت موسيقاها رانية عواضة، وتوزيع Jorane Cambier ، ايضا رسمت على جناحها لوحات وصور مكثفة اضافت غزارة جمالية الى الكلمات، وفي كل الاحوال، يمكن وصف الألبوم بشكل عام، بأنه عمل متكامل، سيكون له تأثير وحضور لفترة طويلة.