ما ان أضع أسطوانة «الحادي» في مشغّل الأقراص المدمجة، وأضغط زر التشغيل، حتى أبدأ رحلة توق ووجد، توقظ فيّ روحاً متهالكة. وأكاد أجزم أنني أسمع دقات قلبي، تنضبط متباطئةً، مع سحبات الناي الشجية في النوتات الأولى لمعزوفة «صبية» التي استهل طلال ابو الراغب بها اسطوانته الموسيقية.
ألبوم «الحادي» الذي يتم توزيعه من قبل «بلاتينوم ريكوردز»، يتضمّن مؤلفات موسيقية للأردني طلال ابو الراغب تحت عناوين: صبية، شامة البحر، الحادي، رحيل القمر، قافلة، زائر الليل، حرير، قلب، أحرار، وتستمر الحكاية، فيما النسخة التي تم توزيعها علينا كمشاركين في «مهرجان تايكي» الأردني، تحوي ايضاً مقطوعة خاصة بالمهرجان بعنوان «تايكي»، الأمر الذي يثير فينا التساؤل لماذا لم يقدم أبو الراغب مقطوعات الأسطوانة في أمسية حية ضمن المهرجان المذكور، الذي دعا نخبة من فناني الوطن العربي وكانت فرصة، يستحقها الراغب، لنشر أعماله عربياً على الأقل.
والحديث عن أعمال الألبوم، قد يكون من الصعوبة والسهولة في آن. فهو يبدو في الظاهر، كأنه ألبوم البساطة والانسانية فحسب، في وقت كلما كنا نغوص في السلالم والتوزيعات الموسيقية والتقسيمات الإيقاعية والاصوات المتبعة، وتنسيق الآلات الشرقية منها والغربية كالكلارينيت مثلا والتشيللو وغيرها، وحتى تلك الغارقة في المحلية مثل «السمسمية» الآلة الوترية التي تستخدم في البلاد الافريقية عادة والتي جاءت الى الخليج العربي مع المرتحلين الافارقة، مع كل هذه الغزارة في الأفكار، تتبدى الحقيقة اكثر واكثر، لتبرز قدرة إبداعية لدى الراغب، على توظيف الحداثة والتقنيات والعلم الصوتي من أجل إبراز الهوية الموسيقية العربية والمحلية في حلة جديدة صافية متقنة غير مغرّبة، على عكس ما يقوم به العديد من الملحنين او المؤلفين الموسيقيين اليوم، ومنهم من ابتعد كثيراً، عن واقعنا الموسيقي وخصوصياتنا، وضاع في تسونامي العولمة والتقنيات الحديثة ونسي ما لدينا من آلات موسيقية ومقامات.
يبدأ الراغب في إيقاظ الأحاسيس رويداً، إذ تسيل نغماته عبر القلب، ناعمة هادئة بلا صخب، فتسري سريان الدم في الشرايين والأوردة. يناجي الصبيّة والبحر، ويحاكي الحادي في ليله الساري الداجي، ويستوحي إيقاع تلك القوافل في مسيرها الطويل، ويودع القمر، ويروي حكاية حرير وقلب وزائر ليل وحكايا أخرى لا تنتهي.
اعتمد أبو الراغب في توزيع موسيقاه وتنفيذها بشكل أساسي على الآلات الموسيقية الشرقية، العربية: الناي، القانون، العود، والعديد من الإيقاعات الحية الشرقية كالطبلة والدف والكاتم والطارة (البنديرة الصوفية)، وكان لهذه الآلات الدور الرئيس الواضح في المقطوعات، فأظهر من خلال «عزف منفرد»، خصوصية كل آلة وجمالياتها والغنى الكبير الذي يكمن في كل منها، اضافة الى إحساسه العالي وعشقه الكبير للموسيقى العربية ورغبة واضحة في إبراز هذه الهوية المتفردة .
في قطعة «الحادي»، قام الراغب بتوظيف اصوات الخيول وهدير حوافرها، والأصوات البشرية وكذلك مؤثرات صوتية اخرى قام بتصميمها عبر الألكترونيات، من دون الإخلال بالصوت الحقيقي، فصوت الحادي، الجهير (لم نعرف اسم المغني صاحب الصوت الصافي الشجي) يصدح بلا كلمات، ويتردد صداه، يحث القافلة على المسير على إيقاع صوته، والوتريات تتناوب بنوتات وسحبات درامية، والعود يسبق صوت الحادي ويليه، فتندمج فيما بعد أصوات أشبه بالناي والايقاعات وترجيع التشيللو الحزين مع خلفية الاصوات الموسيقية الداعمة وقرار الناي، كلها تمنح الشعور بالتأمل والخيال.
فيما يبدأ قطعة «شامة البحر» بصوت الأمواج مدعمة بنقرات القانون ومن ثم على التوالي تندمج معها الوتريات، ويأتي الناي ليتوج هذا الشجن الراسخ، والوله المزدهر في أعماق هذا الفنان، وليس هذا سوى دليل دامغ على أصالته حيث النغمة المعشعشة في خلاياه. الناي يناغي العود، الكلارينيت يتغزل بالتشيللو، هذه الثنائيات الآسرة وبخاصة النوتات الطويلة، كل ذلك يغرينا للرحيل نحو ذلك الوطن المثالي الذي نحنّ إليه، الوطن الذي يعاني، الوطن الذي نطمح ان يعود الينا ونعود إليه.
من جهة أخرى، كان من المهم ان تخلو المقطوعات من الكلام، فيما عدا القطعة الأخيرة «تايكي». المخصصة لمهرجان «جوردن أواردز»، او «تايكي»، التي كتب كلماتها محمد القباني وأداها الكورس كأنشودة تتحدث عن الأمة العربية ومبدعيها. ذلك ان الموسيقى حكت أكثر من الكلام بكثير، لم تحددنا عند حدود الكلمة، فالكلمة عندما ترافق الموسيقى تحد من انفعالنا وتفاعل احساسنا مع النغمة، لذلك شعرنا بترحال لا حدود له مع مقطوعات ابو الراغب.
من هنا اعود الى كلمتي الأولى حين قلت ان معزوفات الأسطوانة اخذتنا في رحلة توق وحنين وخيال جميل، فغالباً ما جعلتنا نستعيدها مرات ومرات، وفي كل مرة ترسم لنا خيالاً مختلفاً وانفعالاً مغايراً وتفاعلاً جميلاً وثيقاً بالنغمة، حتى ترسخ فينا، وتُخرج منا الآهات، وتتلاقفنا موجات متضاربة ما بين الفرح والشجن، لتصبح مرئية، ملموسة، وفيضاً من الخطوط والأشكال كلوحة تشكيلية متحركة، تتيح لنا الغوص في أعمق أسرار انفعالاتنا اللاوعية وهذا ما أتاح لنا متعة قصوى بالمعزوفات كلها دون استثناء.
أسطوانة مختلفة عن السائد بالفعل رسمت لنا لوحات من واقعنا الجميل، مما يحدونا للعودة الى قول شيللنغ المأثور:»...الزمان الموسيقي هو ذلك الزمان الروحي، الذي تبنيه الروح خارج كل تقويم مباشر...».