سيبقى شهر حزيران 2008 في الذاكرة كشهر سئم فيه الجمهور قادته واسلوب حكمهم وتصرفهم. في هذه الايام يشاهد المواطن المعارك السياسية الإسرائيلية وخفاياها. فقادة الدولة يقومون الآن بأيديهم بإظهار الجانب المعتم من افعالهم. هم يفعلون ذلك بفظاظة شديدة ومن دون كوابح وفي حالة مزاجية شعارها "عليّ وعلى أعدائي" في استعراض مكشوف لا يتردد في ابراز كل العيوب والنواقص. وهكذا يسمع الجمهور رئيس الحكومة يقول ان وزير الدفاع قد اجبره على التوصل إلى تفاهم مع حماس حول التهدئة في غزة ـ ليس لأن ثمة مصلحة وطنية من الدرجة الاولى في هذا التفاهم، بل بسبب اعتبارات غريبة سياسية لدى وزير الدفاع.
وهكذا يفهم المواطنون من حاشية وزير الدفاع ان رئيس الحكومة يتراجع عن اتفاقية اعادة الأسرى من لبنان. ليس بسبب مصلحة الدولة وانما لدوافع شخصية تتعلق ببقائه السياسي. رئيس الحكومة يدعي ان وزير الدفاع يفرض ارادته على المستوى المهني الخاضع له، ووزير الدفاع يرد بان موقف رئيس الحكومة راسخ. والاثنان لا يكترثان بالحقيقة التي تقشعر لها الابدان في أن الواقع الذي يغذي صدامهما العلني يتضمن مصير ثلاثة جنود أسرى.
اعتزاز اولمرت يمنعه من القيام بالخطوة المطلوبة ـ الاستقالة من منصبه ولو لثلاثة اشهر حتى يتضح وضعه في التحقيق الجاري ضده ونقل صلاحياته إلى تسيبي لفني. وهو يتسبب في عملية تعقد الوضع البرلماني ويقود نحو الانتخابات لدوافع أنانية صرفة ولا صلة لها بالمصلحة العامة لا من قريب أو بعيد.
لو أن أولمرت أودع ملف رئيس الحكومة بيد لفني، أو لو اعطى ضوءاً أخضر لحزبه لاجراء الانتخابات التمهيدية بسرعة، لزاد من احتمالات بقاء الائتلاف الحالي في منصبه وحال دون حدوث أزمة سياسية كبرى. ولكن لدى اولمرت دوافع وغرائز ولذلك قرر تحطيم الخطوط الحمر. المهم ان لا تصل لفني او اي احد آخر من حزبه إلى المنصب الذي يشغله.
لنفترض انه سينجح في اللحظة الاخيرة في اقناع شاس من خلال تسوية تبقيها إلى جانبه او أنه سيتمكن اليوم من منع التصويت التمهيدي على اقتراح قانون حل الكنيست ـ ما هي القدرة الموجودة لديه للاقدام على قرارات مصيرية حاسمة في هذه الحالة؟ هل يعتقد مخطئا أن صفقة مريبة مع شاس باضافة بعض الميزانيات اليها تمكنه من استرجاع التفويض الاخلاقي الذي يمكنه من قيادة الدولة في محطات حساسة في مواجهة حزب الله وحماس والسلطة الفلسطينية وايران؟
سلوك اولمرت الظاهر في هذه الايام هو انعكاس لادائه في حرب لبنان الثانية. اليوم مثلما كان قبل عامين يبدو اولمرت متعثرا في ارائه ولا يعبر عن الزعامة الحقيقية. الآن مثل أمس ما زالت علاقاته وانسجامه مع المؤسسة الأمنية متردية. والان في حزيران 2008 مثلما في تموز 2006 لا يعتمد ولا يثق بوزير دفاعه. الان تخضع صفقة اعادة غولدفاسر والداد ريغف اللذين اختطفا حينئذ ضحية لاعتبارات صورته الشعبية وتتبوأ مكانا مهما في قراراته.
حتى لو نفذ اولمرت في هذه الايام توصيات لجنة فينوغراد الادارية والتنظيمية فهو لن ينجح في الاستجابة للمطلب الاساسي الذي يستوجبه منصبه: ان يكون مرجعية ذات ثقة عالية بالنفس. هذا سبب جديد لوجوب رحيله عن هذا المنصب.