يمس سؤال الرقابة في الدولة الحديثة جوهر العلاقة ما بين المجتمع والسلطة، حيث تأخذ هذه العلاقة في دولنا العربية طابعاً إكراهياً وعنفياً، نظراً لغياب الشرط الديموقراطي، وغياب التعاقد الاجتماعي ودولة المواطنة. وليست الرقابة بمختلف أشكالها مجرد فعل تقني، لأن معناها يكشف عن طبيعة السلطة في البلد المعني، وبالتالي، فان الحديث عن الرقابة وأثرها على الحريات الفكرية والأكاديمية، يبقى ناقصاً إن لم يعطف على ما هو خارج الحريات، أي أثرها على تلك الجوانب التي تمس مختلف تفاصيل الحياة اليومية للأفراد والجماعات في البلد المعني.
لا ننكر، في تناولنا مسألة الرقابة، مبدأ الرقابة بوصفه إجراء قانونياً، هدفه الحفاظ على المصلحة الوطنية، مصلحة الوطن وجملة مواطنيه، بل نستنكر تمددها وتطاولها وعشوائيتها، أي نستنكر كل ما يحولها إلى فعل غير وطني، فعل يجيرها لصالح الحاكم وسلطته، ويلغي إرادة الأفعال والجماعات، ويسلبهمم حرياتهم، ويحولهم الى مجرد أرقام في قطيع أو رعايا، إن السؤال الفعلي ليس الرقابة بحد ذاتها، بل طبيعة السلطة السياسية التي تصدر عنها، ذلك أن مضمون السلطة يتحدد بالطريق الى أفضل إلى امتلاك السلطة، فاذا كان الطريق ديموقراطياً جاءت الرقابة متماشية مع ارادة الناس ومصلحتهم الوطنية، أي وطنية، وهي غير ذلك في حال اغتصاب السلطة، الا اذا كان طريق الوصول الى السلطة انقلابياً وتعسفياً.
من ينظر في مشهد أقلمات الدول العربية، يرى حجم وعدد الأجهزة الأمنية التي تنسجها النظم القمعية، فضلاً عن تسييرها لاعداد غير محدودة من العسس والمخبرين لملاحقة الذين يحاولون تهديد نظامها الشمولي. وهذا النظام لا حدود له كون الاستبداد لا يعترف بحدود أو تخوم معينة، ويقدم نفسه على أنه نظام ابدي، ليست له حدود زمانية أيضاً، سعياً منه الى امتلاك نظام فوقي، ومن خلال التحكم بالحياة الاجتماعية والسياسية، بوصفه يمثل نموذجاً لسلطة متافيزيقية. انه يدشن مجتمعاً من الضبط والرقابة والاشراف. وباتت السلطة الشمولية تمارس اليوم، عبر آليات معينة، عمليات تنظيم العقول، باتجاه حالة من اللاجدوى والاغتراب والاغتراب الذاتي عن الاحساس بالحياة.
ان مجتمع الرقابة هو القادر على تبني السياق السياسي للسلطة بوصفه مرجعها الحصري. لكن الرقابة، تتشكل فوق اجسادنا وعقولنا، حيث تمفصل السلطة الوجود في امتداداته الكونية. في بحر هائل، لا يحركه غير الأهواء والأمواج. وعليه يتم بناء الرقابة في النظام الشمولي بعيداً عن القياس، حيث يعمل الحقل السلطوي بشكل قوي ومقوم لذاته، وشروط الإمكان لديه، او شروط الوجود تنقلب من ما هو افتراضي الى ما هو واقعي. فالسلطة موجودة في أي مكان، باعتبار أن أي مكان له دور في الربط بين الافتراض والإمكان.
تشكل الرقابة، بشكل عام، أحد أهم العوائق أمام الحريات الفكرية والبحثية، وأمام حرية التعبير بمعناها الواسع والحديث. وتمتلك الرقابة ركنين أساسيين: ماديا ومعنويا، ويتجسد تأثيرها بوصفها فعل تصرّف أو فعل تعدّ على حق طبيعي من حقوق الإنسان، تحدده وتأطره سلطة ما، سياسية أو اجتماعية أو دينية أو أخلاقية، وتمنحه لمن تراهم يمثلونها أو ينطقون باسمها.
وتعتبر الرقابة الذاتية من "أخطر أنواع الرقابة"، كونها تغيّر المنحى التدخلي لفعل الرقابة من شكله السلبي الى "شكله الإيجابي" حيال الحريات، كونها لا تصدر عن جهة أو مصدر خارجي، بل من ذات الكاتب أو الباحث أو المفكر، وتمنعه ليس فقط من نشر ما يكتب، بل من الكتابة والتفكير والتحليل، فهو يفكر بألا يهدر وقته في مواد مكتوبة قد لا ترى طريقها الى النشر أو قد يعاقب على كتابتها ويحارب في لقمة عيشه.
والرقابة الذاتية، بمعنى ما، هي عاقبة من عواقب الرقابة، ذلك أن الكاتب أو الباحث يمارسها بسبب الخوف من العقاب والملاحقة والضغوط، وليس بسبب أخلاقيات البحث والكتابة، وبالتالي فهي لا تعدو كونها جرد رقابة، بل قيداً منيعاً أو سجناً نسقياً. وتغدو هذه الرقابة خلال الممارسة وكأن "المراقب ذاته" يمارسها بمطلق حريته، مع أنها ناتج أو حاصل لنوعي الرقابة القبلية والبعدية، اللتين تخلقان جواً من الخوف ومن العاقبة والعقاب، ينتج عنه أطر ومبادئ ذاتية يضع الكاتب نفسه ضمن حدودها.
ويلجأ المفكرون والباحثون والكتاب الى ممارسة الرقابة الذاتية، بوصفها وسيلة للتكيّف مع ما يريده النظام السياسي، وما يفرزه من خطوط حمراء، وما تفرضه المنظومات الدينية والاجتماعية من محاذير ومحرمات وقيم ومبادئ وأخلاق.
ويمكن القول بأن الرقابة وجدت بدرجات مختلفة ونسبية منذ وجود السلطة، سياسية كانت أم دينية أم أخلاقية. وقد مارسها مختلف الحكام على مرّ تاريخ السلطة المستبدة، ويشهد التاريخ البشري على محارق عديدة للكتب والمكتبات، حيث أمر الإمبراطور الصيني "كين شي هيوانغ دي" بحرق كل ما كُتب قبل بداية عهده، وأحرقت مكتبات الإسكندرية وبغداد وسواهما.
وفي عام 1933، حصلت الإدانة اللاهوتية الشهيرة لغاليليو، لأنه قال بدوران الأرض حول الشمس. وأرعبت الإدانة الفيلسوف ديكارت، فامتنع عن نشر كتبه، وراح يمارس الرقابة الذاتية الصارمة على نفسه الى درجة أن بعضهم اتهمه بالضعف والجبن، وهو ذات الرجل الذي وصفه هيغل بأنه البطل المقدام للفكر، أي لم يكن جباناً، بل كان يرى بأن موازين القوى ليست في صالح الفلسفة والعقل، لذلك اتبع سياسة التقية أو الرقابة الذاتية، كسلاح فلسفي فعّال لمناوشة الكنيسة المسيحية ورجال الدين. وقال كلمته الشهيرة: "الفيلسوف يتقدم مقنّعاً على مسرح التاريخ".
وفي العالمين، العربي والإسلامي، عانى معظم المفكرين والفلاسفة والباحثين والكتاب من قيود ومراقبة وملاحقة السلطتين السياسية والدينية، نذكر في هذا المجال أسماء لامعة من أمثال ابن سينا وأبو بكر الرازي وابن عربي وابن رشد وابن الراوندي وبشارد بن برد وأبو نواس وعبد الرحمن الكواكبي ومصطفى عبد الرزاق وسواهم كثير.
وقد كفرت السلطات الحاكمة العديد من الفلاسفة والمفكرين، ودفع بعضهم حياتهم ثمناً لافكارهم وأطروحاتهم وآرائهم كبشار بن برد وابن المقفع والسهروردي، وبعضهم الآخر نفي وشرد أو نجا بجلده وفكره. وكان الخلفاء والسلاطين والأمراء يهددون الفلاسفة والشعراء عن طريق وشاية الفقهاء بهم أو القضاة او رجال الدين، فضلاً عن استخدام سلاح التشكيك في عقيدتهم. ووصل الأمر ببعض الحكام والفقهاء الى وضع حدود لحرية التفكير والرأي، والويل كل الويل لمن يحاول تجاوزها.
بالمقابل، لا شك في ان التاريخ العربي الاسلامي عرف لحظات وفترات هامة لحرية التفكير، وخصوصاً ابان العصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الاسلامية. لكن مصادرة حرية التفكير عبر الانغلاق شبه الكامل حصل في الفترات اللاحقة واستمر الى يومنا هذا.
وشهد هذا الانغلاق محطات عديدة، منها، لحظة السلجوقيين، في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، حيث ظهر المنظر الكبير لعددهم: ابو حامد الغزالي، الذي طبع مرحلة بأكملها واصدر كتباً عديدة، ما زالت تلاقي صدى واسعاً في عالمنا المعاصر. وتوالت لحظات الانغلاق، الى عصرنا الحديث، حيث اعادت حركات سلفية وأصولية اسلوب التكفير الى ذاك الذي دشنه الأزارقة الخوارج لأول مرة في تاريخ الاسلام بعد التحكيم بين علي ومعاوية. غير أن اللحظة الأصعب، التي ما زالت جاثمة على صدورنا، حدثت مع قيام الأنظمة الديكتاتورية أو المستبدة، بعد مرحلة الاستقلال، وجلبت معها في معظم البلدان العربية العسكر إلى سدة الحكم، وما زلنا نعاني سطوتها حتى يومنا هذا.