بغداد – علي البغدادي

برغم إعلان زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر تحالفاً «صادماً» للائحة «سائرون» (تحالف بين التيار الصدري والشيوعي وأحزاب علمانية) مع غريمتها لائحة «الفتح» (بزعامة هادي العامري) المدعومة من إيران التي تبدو بصماتها واضحة في رسم التحالف الجديد، إلا أن الغموض ما زال يكتنف شكل الكتلة المُكلفة بتأليف الحكومة المقبلة التي باتت حظوظ رئيسها الحالي حيدر العبادي بتوليها ثانية ضعيفة أو مرتبطة بشروط عسيرة.

وتبدو آثار الصدمة واضحة للعيان لدى الأحزاب والشخصيات ذات التوجهات المدنية والعلمانية من انبثاق تفاهم أو تحالف الصدر – العامري أكثر من سواها من الأطراف السياسية الأخرى، كونها عولت على استقلالية القرار العراقي بعيداً عن النفوذ أو التأثير الإيراني إثر حصول لائحة «سائرون» المدعومة من الصدر على 54 مقعداً، وهو أكبر عدد من المقاعد في البرلمان العراقي البالغة 328 مقعداً، وهو ما يُعتقد بأنه شكل ضربة لإيران وسياستها ومحورها في المنطقة بعد حصول اللائحة الحليفة لها «الفتح» على 47 مقعداً نيابياً.

لكن الخطوة المُعلنة من التيار الصدري تظهر أنه لم يخرج حتى الآن عن دائرة نفوذ طهران رغم كونه القوة الشيعية الأقل تأثراً بسطوتها ورأيها في العراق ويحافظ بقدر أو بآخر على استقلاليته بمد جسور التلاقي والانفتاح مع المحيط العربي، لكنه بكل تأكيد لن يكون وسيلة لإيذاء ايران خصوصاً مع انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي أو يمانع بحفظ مصالحها أسوة بمصالح الدول الأخرى.

ومع أن اتفاق الصدر – العامري ما زال قابلاً للتفكك والانهيار في ظل تقلبات الواقع السياسي في العراق خصوصاً مع احتمالات عزل كتلة ميليشيا «عصائب أهل الحق» (بزعامة الشيخ قيس الخزعلي 15 مقعداً) المنخرطة في قائمة «الفتح» والمدعومة من الحرس الثوري عن التفاهم وعدم دخول «ائتلاف دولة القانون» (بزعامة نوري المالكي) صاحب العلاقة المتوترة مع الصدريين والوثيقة بطهران فيه إلا أنه (الاتفاق) جاء نتيجة حوارات طويلة سرية تارة وعلنية تارة أخرى دامت لأسابيع بتأثير وتدخل من وسطاء إيرانيين لإنضاج مشروع تحالف واسع للكتلة الأكبر نيابياُ المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة وسط استمرار الخلافات بشان نتائج الانتخابات.

وأبلغت مصادر سياسية مطلعة جريدة (المستقبل) أن «حوارات زعيم التيار الصدري راعي لائحة سائرون الفائزة بالترتيب الأول في نتائج الانتخابات وغريمه ومنافسه الأول زعيم ائتلاف الفتح الحاصلة على الترتيب الثاني في الانتخابات جاءت بعد حوارات سرية وعلنية وبتدخل إيراني من أجل تأليف الكتلة النيابية الأكبر المُكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة وضمان بقاء تاثير إيراني مقبول ومعتدل في الساحة العراقية ولقطع الطريق على ولاية ثانية لرئيس الوزراء الحالي بالتوازي مع التأثير الأميركي الحاصل خصوصاً بعد لقاء السفير الأميركي في بغداد قبل أيام مع العامري الأمر الذي أثار انزعاج حلفاءه من عصائب أهل الحق وسرايا الخرساني»، مشيرة إلى أن «الحوارات أثمرت عن اتفاق يتضمن بنوداً عدة مهمة أبرزها أن يكون التحالف بدون نواب كتلة عصائب أهل الحق، فضلاً عن تقديم العامري تعهداً بعدم ترشحه لمنصب رئيس الوزراء أو ترشيح قيادات في كتلة بدر التي يرأسها لوزارات في الحكومة الجديدة بالإضافة إلى الاتفاق بين الصدر والعامري على عدم ترشيح عضو من حزب الدعوة الإسلامية لرئاسة الوزراء، وهو يعني عدم القبول بحيدر العبادي رئيساً للوزراء مرة أخرى».

وقالت المصادر إن «زعيم التيار الصدري لا يمانع منح العبادي رئاسة الحكومة في حال خروجه من حزب الدعوة بينما يعترض العامري على تسمية العبادي رئيساً للوزراء حتى لو انسحب من حزب الدعوة»، مبينة بأن «الحوارات بين العامري والصدر ركزت على أهمية حسم المحكمة العليا لمشكلة الاتهامات بتزوير نتائج الانتخابات خصوصاً أن المؤشرات تفيد أن المحكمة ستطعن ببعض فقرات التشريع الصادر عن البرلمان الخاص بتجميد عمل مفوضية الانتخابات والإلغاء الجزئي لبعض النتائج وفرض العد اليدوي الشامل، إذ يفضل الطرفان قراراً من المحكمة العليا يُعالج اتهامات التلاعب بالانتخابات من خلال عد وفرز يدوي لـ 10% من صناديق الاقتراع بدلاً من العد الشامل، وفي حال اكتشاف تزوير بنسبة 25% في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وديالى وكركوك يتم اللجوء إلى العد اليدوي الشامل مع النظر بكل الطعون المقدمة من الأحزاب والمرشحين في الانتخابات».

وأوضحت المصادر أن «لقاءات الصدر والعامري تناولت تقديم مرشح تسوية لمنصب رئاسة الحكومة بدلاً من العبادي، لكن من دون تسمية المرشح على أن تكون ضمن التوقيتات الدستورية ولا تتجاوز الأول من تموز المقبل»، منوهة إلى أن «التيار الصدري يريد قطع الطريق أمام محاولات زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي العودة بقوة إلى المشهد السياسي ومواجهة طلباته بالعد اليدوي الشامل لأصوات المقترعين مع وجود رهان على احتمالات تفكك قائمة النصر التابعة للعبادي»، مؤكدة على «حصول هزة وانزعاج وصدمة لدى الأحزاب والشخصيات المدنية والعلمانية من تحالف التيار الصدري مع ما يعتبرونها لائحة المبليشيات الشيعية المدعومة من إيران».

ورأت المصادر أن «الانفجار المدمر لمخزن الأسلحة في مدينة الصدر والإحراق المتعمد لمستودعات صناديق الاقتراع في الرصافة أخيراً سرعا من إبرام التفاهم بين الصدر والعامري خشية انفلات الأوضاع ودخولها في فوضى أمنية، لا سيما أن المؤشرات التي وصلت إلى الصدريين تفيد بأن حصول انتكاسة أمنية في بغداد وبعض المدن العراقية باتت غير بعيدة في حال جمود المشهد العراقي في ظل الخلافات بشان نتائج الانتخابات»، موضحة بأن «الدور الأبرز في عقد هذا التحالف يعود إلى اللاعب الإيراني الذي استطاع المحافظة على وجودهم المؤثر في المشهد العراقي مقابل اللاعب الأميركي الذي يحاول هو الآخر رسم معالم الحكومة المقبلة وهو ما يعني وجود توافق بين العاصمتين».

وما زال الحديث الدائر في الأوساط السياسية العراقية عن صوغ تحالفات موسعة لتشكيل الكتلة الأكبر نيابياً سابقاً لأوانه إذ تبدو ما يُطلق عليها «تحالفات» أقرب إلى حالة التفاهمات السياسية لحين حسم مصادقة المحكمة الاتحادية العليا على النتائج النهائية للانتخابات المثيرة للجدل وسط استعداد السلطات القضائية لبدء عملية العد والفرز اليدوي لأصوات المقترعين.

وقال المحلل السياسي هاشم الهاشمي إن «قادة سائرون والفتح كشفوا بكل جلاء عن ضرورة المسير على خطى الحكومات السابقة لكن مع اعتبار شرط الفضاء الوطني والتشاركية متعددة الثقافات والتكنوقراط الحزبي وقريباً من التأثير الخارجي المباشر»، منوهاً إلى أن «النتيجة الحتمية التي يتوصل إليها المراقب الجدي للحراك السياسي العراقي تتمثل بأن لا حكومة عراقية يُكتب لها القبول السياسي من دون هذه المعادلة».

وأوضح الهاشمي أن «سر تحالف سائرون مع الفتح لا يمكن أن يكون إلا بعد ضغط متكافئ إيراني وأميركي، وهذا بعيداً عن نظرية المؤامرة فكل القيادات تواصلت في الأيام السابقة مع الإيرانيين والأميركيين».

وبحسب جعفر الموسوي المتحدث باسم زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فإن «أبواب التحالف الجديد بين كتلتي سائرون والفتح مفتوحة لائتلاف النصر بزعامة العبادي والكرد للانضمام إليه».