أجرى رافاييل غلوكسمان الصحافي في مجلة «الماغازين الأدبية الجديدة» في عددها الثاني الصادر حديثاً مقابلة مع المفكرة الفرنسية جنفياف فريس الناشطة في صفوف المطالبين والمطالبات بتساوي المرأة مع الرجل في المجتمعات الغربية. وهي ترفض تعريف «تحرير المرأة» إذ تعتبر أن الموضوع يحمل أكثر من هذا «الكليشيه» الذي صار مستهلكاً. وتطرح سؤالاً رئيسياً: «هل المساواة الحقيقية قد أصحبت منظورة في الأفق؟» وفي حديث طويل ومشوّق شرحت أن ظواهر جديدة قد أطلّت على هذا القرن واعتبرت أن «التاريخ يحدث تحت أنظارنا»، نقتطف من المقابلة:

*************************

* منذ ثلاثة أشهر ونحن ضحية دوار ما. أستطيع أن أقول إنني انزعجت شخصياً باستخدام كلمات مثل «ميزان» و«خنزير» ثم سرعان ما انغمست في الشهادات. وفهمت بأننا نعيش لحظات حاسمة من تاريخنا المشترك، وهي لحظات صاعقة لا نعرف بعد كيف نحددها، لذا أتيت لأراكِ في محاولة لتحديدها. ما الذي نشهده، وهل هو مجرد ثورة؟

- نحن نعيش حدثاً كبيراً وأستطيع أن أضع كلمة «حدث» بين مزدودجين وبالخط العريض. أنا لا أتحدث عن ثورة بل عن تمرد. ولكن هذا التمرد ليس مجرد استنكار كما يدّعي البعض. فنحن لسنا في حال رفض لمنطق معيّن ولا نحن في إطار شكوى عادية، إنهن سيدات يتحدثن عن قصصهنّ، كما تقول، وهنّ يبنين خطابهن أو بكل بساطة هنّ يسردن التاريخ. وهؤلاء المسيطر عليهن يخرجن من تلك السيطرة بمجرد الكتابة. إنها أكثر من تحرّر في الكلام: إنها السيطرة على فكرة اتخاذ موقف والتكلم. إنها حركة. ونحن، أي المخلوقات الأنثوية، وقد أصبحت كائنات تتكلم وتكتب.

إصغاء الرجال

* وهنا التغيير الكبير: القناعة بأن الكلمات التي تؤلف خطابات اليوم هي كلمات لنساء. وهنا يبرز أول موقف للرجال وهو التوقف عن الكلام والإصغاء إلى ما يُقال وأيضاً مواجهة الحدث..

- أجل، المرأة تتكلم والمجتمع بأكمله مدعو إلى الإصغاء إليها. هذا جديد. جيلان قاتلا من أجل الإجهاض، ومن أجل المساواة، لكن قتالنا لم يكن يعني كل النساء والرجال بشكل مباشر. اليوم "كل" النساء كما "كل" الرجال قد أصبحوا معنيين بهذا الموضوع. كل امرأة بمفردها بدأت تطرح على نفسها السؤال: «هل عاشت تجربة التعنيف؟» في العاشرة من عمري، واجهت مهووساً بالتعرّي ولم أُخبر أحد بذلك. في الخامسة والعشرين، أمام بولفار ماغنتا، تعرضت للترهيب من قبل ثلاثة شبان وتلقيت ضربة قوية على وجهي. وحين أخبرت سائق التاكسي الذي أقلّني إلى منزلي قال لي: «سيدتي، لماذا أنتِ خارج منزلكِ في هذه الساعة؟» (...).

* أظن أن ثمة وجوداً للديني الذي يربط دائماً حال المرأة بعذريتها ويضعها في إطار التزمّت..؟

- أظن أن المواجهة بين التزمت والتحرر هي نتيجة ما بنينا إيديولوجياً وليس علمياً. يجب أن نقرأ في هذا الموضوع كتاب كوديرلوس دولاكلو «في تربية النساء». لقد نشر هذا الكتاب الرئيسي لديه بعد سنة من صدور كتابه «العلاقات الخطرة». وعلى كل الذين يحبّذون فكرة «التحرر» قراءة هذا النص. فهو يدعو النساء إلى التحرر وإلى القيام بثورة. وهو يضع فكرة عدم التساوي بين الرجل والمرأة في أساس بحثه، كذلك وصف ذلك بولان دولابار عام 1673 في كتابه على أساس الأفكار المسبقة المفروضة. وهذه الأخيرة هي التي جعلت المساواة تتأخر ما يقارب قرنين من الزمن. كذلك تأخرت المساواة في إطارها الواسع وعلى كل الأصعدة. واليوم تتفجر مسألة المساواة على الصعيد الجسدي.

فالفيلسوفة البريطانية كارول باتمان في مؤلفها «العقد الجبسي» تشرح بشكل قاطع أن هناك ما تحت العقد الاجتماعي العقد الجنسي الضمني الذي لم يأخذه في الاعتبار كل الفلاسفة الذين صاغوا العقد الاجتماعي والذين اشترطوا في نظرياتهم أن جسد النساء هو تحت تصرّف جسد الرجال. اليوم يتمرد جسد المرأة ولكي يحصل هذا التمرد يجب أن يحصل من قبل النساء اللواتي لديهن إمكانيات اقتصادية. وليست صدفة أن كلمات هؤلاء للنساء مسموعة في المجتمع، بل إن ذلك حصل لأن الكلمات تأتي من قبل اللواتي يمتلكن الحدّ الأدنى من الإمكانيات الاجتماعية.

* إذاً، هل نستطيع القول إن الحل هو في إطار اجتماعي أي أن وصول عدد كبير من النساء إلى مراكز اجتماعية مهمة هو الأمر الذي ساعد. هل نستطيع هنا أن نقول إن الأمر أصبح في إطار السيطرة اجتماعياً؟

- كلا، وليست السيطرة الاجتماعية هي المشكلة الأساسية. حين أكون وسط الشارع وأتلقى ضربة قوية على وجهي إلى درجة الوقوع أرضاً، أين هي هنا السيطرة الاجتماعية؟ فأنا في هذا المضمون امرأة في الخامسة والعشرين ولا يختلف وضعها الاجتماعي عن وضع الشبان الثلاثة الاجتماعي أيضاً. فالسيطرة الجنسية لا تتلخص بالمسألة الاجتماعية.

* أنتِ على حق في ما قلتِ وهو على قدر من الأهمية: فالحركة قد بدأت مع نساء يمتلكن المقومات الاقتصادية الكافية والرمزية لهذه القوة. وهل شهدنا هذه الظاهرة في ما بعد: كل ما نقرأه في هذا الإطار يأتي من قِبَل صحافيات وطالبات ومحاميات، أي كلهن من طبقة اجتماعية - مهنية راقية. هل كل التحدي هنا؟

- أجل. ولكن لقد تعرضنا إلى النقد في السبعينات من القرن الماضي قيل لنا: «ألستنّ فقط مجرد بورجازيات؟» (...).

* ثمّة مقالة في صحيفة أميركية محافظة "ذي ويكلي ستاندرد" اعتبرت أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت القضية تتطور لتصبح شاملة. فالتطور الأفقي للموضوع جعل تلك الثورة الطليعية - أي ما كانت عليه الثورة النسائية قبلاً - تتبلور وتتطور لتصير حركة شاملة.

- أجل، وهذه هي سعادتنا. فالتاريخ يدوّن ويحصل تحت أعيننا. فثمّة تطورات كثيرة في مجالات عديدة: لم ينتخب روي مور سيناتوراً في ألاباما. كما أنه تمّ استجواب المسؤولين عن "مهرجان كان" الذين لم يكونوا بعد قد استوعبوا أن ثمة سينما خاصة بالنساء؟ فكايت بلانشيت ترأست المهرجان هذا العام. وهذا تحرك رمزي وحقيقي. وهي المرأة الثانية التي ترأس المهرجان خلال سبعين عاماً.

المخرج المسرحي ليو موسكاتو قدّم هذا العام اقتباساً جديداً لمسرحية "كارمن" حيث تقتل هذه الأخيرة "دون خوسيه" وليس العكس. وأظن أن هذا نتيجة تأثير إيجابي ورمزي وجمالي مهم.

* وهنا تبرز مشكلة: الوقوع في تجربة إعادة كتابة كل الفنون من منظار جديد، كما يحصل في كل الثورات..

- كلا، إنها ليست كتابة جديدة للفنون، بل هي استمرارية كتابة الفن. هل تعرف كتاب الفيلسوف كاترين كليمان: "الأوبرا أو هزيمة الناس"؟ المكتوب عام 1979؟ ليست كارمن المرأة الوحيدة التي تُقتل على خشبة المسرح..

اضطهاد المرأة

* بالتأكيد، ولكن ذلك يحصل لأنه يتحدث عن مجتمع يضطهد المرأة. ولكن لدي موقفي الذي يلتقي موقف كاترين دونوف وهو عدم المساس بالفنون؟

- تاريخ الفن من وجهة النظر هذه هو تقليد يجب أن نضعه تحت الطاولة! إنهم ها هنا حراس المعبد! أن نعيد كتابة التحف الفنية ليس في إطار الرقابة إنما هي مخالفة. ولكن هل كاترين دونوف تطالب بعدم المساس بتاريخ الفن؟ ولكن لنمسّه وعلى عكس ما تطالب به! وبكل بساطة أقول: فنكمل الكتابة!

* كل، ولكن هي تطالب تحديداً بعدم المساس أو عدم خيانة أو محاكمة مؤلفات ثمّ تدوينها في ظروف مختلفة. إنه أمر مهم أن تموت "كارمن" في المسرحية لأن المجتمع قتل كارمن. ولماذا لا نفهم قيمة العمل "كارمن" انطلاقاً من فكرة أنها تموت في النهاية؟

- أنا موافقة. ولكن في عروض "لوكريس" وفي اغتصابه تغييرات تتوافق مع عصور مختلفة. وهذا المخرج الذي يريد أن ينقذ كارمن ويريد أن يعيش مناخات عصره.

* وهناك حدود أخرى أيضاً لحركة تحرير المرأة حالياً في العالم: حدودها الشرقية الواسعة. فهي كبيرة وواسعة النطاق في الولايات المتحدة الأميركية وفي فرنسا لكنها أقل شأناً في بلدان أوروبية أخرى مثل إيطاليا وأقل في روسيا أو في البلدان العربية مثلاً..

- أوافقك الرأي في جزء مما تقوله. في الأرجنتين مثلاً تحصل أمور كثيرة. كذلك في بوسطن، كنت هناك في تشرين الثاني الماضي من أجل مؤتمر يتعلق بشؤون المرأة، تحدثت فيه رئيسة الوزراء السابقة في السنغال أميناتا توري وقالت: "بما أنها المرة الأولى التي نتخطى فيها الحدود فلننطلق!" أنا لا أقول إن كل الحدود قد أصبحت مفتوحة، لكنها تحركت. فلنعمل معاً كي نجعلها تسقط جميعها!

ترجمة: كوليت مرشليان

كلام الصورة:

1 - جنفياف فريس

2 - مشاركة في مظاهرة في باريس عام 1975

جنفيان فريس في إحدى التظاهرات