بعد سنوات قليلة، ينطلق استخراج النفط والغاز من السواحل اللبنانية إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها من دون الاصطدام بأي عراقيل سياسية أو أمنية. وفي إطار التحضير لأرضية سليمة للاستفادة من موارد هذا القطاع إلى أقصى حد ممكن، تبرز أهمية تأهيل قطاع أكاديمي - مهني متطور وشامل قادر على مواكبة عمليات الصناعة النفطية بمراحلها كافة. وعلى الرغم من أن بعض الجامعات أدخلت في برامجها التعليمية اختصاصات مرتبطة بالطاقة والبترول والكيمياء حيث برزت اختصاصات مثل «جيولوجيا نفطية» و«هندسة كيميائية» و«هندسة بترولية» و«ماجستير في الغاز والبترول»، إلا أن برامج التدريس لا تُغطي كل المهن المطلوبة لهذا القطاع، مثل الجيولوجي، الجيوفيزيائي، مهندس الحفر، مهندس المنشآت النفطية، مهندس الصيانة، مهندس المبيعات التقني، مهندس العمليات، مهندس الخزانات، رئيس العمال، منسق الدراسات، عامل الخدمات، مدقق النفقات، المخطط، الرسام، مسؤول التشغيل، مسؤول المخزون نفطي، عامل نقل، عامل تلحيم متخصص، وغيرها من المهن خصوصاً أنّ قوانين البترول ألزمت المتعهد بتوظيف اليد العاملة اللبنانية وتشغيلها بنسبة 80% من مجموع العاملين، وإعطائهم الأولوية في التدريب.

ويقول مصدر مطلع في حديث إلى «المستقبل»: «صلاحيات هيئة إدارة قطاع البترول، تقتصر على تشجيع القطاع الجامعي لتدريس الهندسة البترولية والتشجيع على تطوير القطاع المهني. نحن تولينا التشجيع والتوجيه على الاختصاصات والمهن التي يحتاجها قطاع البترول. وفي أغلب الجامعات اليوم، اختصاصات هندسة البترول أو الهندسة البتروكيميائية متوافرة، ولسنا بحاجة في لبنان إلى 400 أو 300 متخرج في السنة في هندسة البترول، لكن في الوقت نفسه، نحن بحاجة إلى كل الاختصاصات الهندسية الأخرى مع بعض التطوير والتحديث، مع العلم أن الجامعات تعمل دائماً لتطوير برامجها لتكون مواكبة للتطور في هذا القطاع»، مشدداً على أنه «يُفترض على التعليم العالي أن يتوجه إلى الأبحاث لتأخذ الجامعات موقعها على خارطة الأبحاث في قطاع النفط والطاقة بشكل عام، وأتمنى أن تعمل الجامعات بشكل جماعي في هذا الإطار، ويكون لديها وحدة أبحاث في الطاقة إذ إن العالم يسير نحو الطاقات المتجددة، وهناك مشاريع ضخمة تتطلب أبحاثاً علمية»، مشيراً إلى «أنني متفائل بالنسبة للوضع الجامعي، وهناك تناغم بيننا وبين الجامعات».

ويتابع «بالنسبة للتعليم المهني، فإن الصورة ليست سوداوية لكن البرامج تتطلب بعض التعديل، والهيئة ساعدت الإدارات المعنية في التعليم المهني، وحفزناها على السير قدماً، وواكبناها في وضع البرامج النفطية الموجودة اليوم في وزارة التربية». وقال «لسنا بحاجة اليوم إلى معاهد، بل إن معهداً أو إثنين يكفيان في كل محافظة على صعيد القطاع العام لأن المعهد بدون مختبرات لا يجدي نفعاً، والمختبرات كلفتها مرتفعة»، مشيراً إلى «اننا وضعنا البرامج المهنية المواكبة للقطاع النفطي من دون ضجة، ونجحنا، والآن تجري عملية تعديل وتطوير هذه البرامج لتواكب بشكل فعال عمليات الصناعة النفطية».

ويوضح أن «لدينا الكثير من الاختصاصات المهنية في المعاهد الرسمية، ومع بعض التعديل والتطوير يمكن الاستفادة من أولئك المهنيين. أما على صعيد القطاع الخاص، الأمر جيد، والبعض منهم يعمل للحصول على شهادة خارجية، لكن الشهادة إن كانت لبنانية أو خارجية سيتم الاعتراف بها من قبل الشركات إذا كانت البرامج المدرسية وتطبيقها يعتمدان على طرق علمية. المشكلة هنا، هل سنجد اليد العاملة اللبنانية التي ستعمل في القطاع على الصعيدين المهني والتقني؟»، مشجعاً «الطلاب على التوجه إلى المعاهد الفنية والتقنية لأننا سنكون بحاجة إلى عدد كبير من المهنيين والتقنيين».

ويُشدد على «ضرورة تشجيع المعاهد الفنية على تدريب المهنيين والتقنيين على العمل في أجواء تحترم السلامة العامة. هذا الأمر مهم جداً لأن أي خطأ يؤدي إلى كارثة، ونحن على تواصل وتنسيق مع المعاهد وإداراتها في هذا الإطار»، متمنياً «التدريب على كل المهن المطلوبة كي لا نستورد مهنيين من الخارج»، مشدداً على أن «يكون هناك نوع من التوازن بين أعداد المهندسين والمهنيين».

ويلفت الباحث في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق حسين العزي إلى أن «الحاجة الكبيرة إلى الموارد البشرية تتطلب تأسيس معهد متخصص أكاديمي وبحثي بإدارة الجامعة اللبنانية وبإشراف هيئة إدارة قطاع البترول، تكون إحدى مهمّاته تقديم دورات تخصصية تأهيلية لمن يرغب في العمل في هذا الحقل»، مشدداً على «أهمية مواكبة الصناعة البترولية بمراحلها المتعددة بشكل صحيح مع التركيز على التعليم المهني والتقني لأنه مقابل كل 200 مهندس سيكون هناك حاجة لـ4000 وظيفة في مختلف المجالات».

ويشير إلى «ضرورة مواكبة الجامعات للقطاع البترولي على صعيد إدارة الموارد البترولية واقتصاد الطاقة، واستحداث اختصاصات جديدة في المعاهد المهنية والتقنية، وقد صدر مرسوم السنة الفائتة في هذا الإطار بعنوان "تكنولوجيا وتقنيات البترول"، لكنه لم يجد سبيله إلى التطبيق حتى الآن على أمل أن يبدأ تدريسه السنة القادمة كما نحن بحاجة إلى مراكز دراسات متخصصة للجيوفيزياء»، مشدداً على «أهمية خطة وطنية لإعداد الكفاءات اللازمة في الوقت المناسب كي لا يضطر لبنان إلى استيراد أيدٍ عاملة أجنبية».

دراسة

وتلفت دراسة أعدها العزي وزميلته في المركز زهراء برّو عن «دور قطاع التعليم في مواكبة مراحل الصناعة البترولية في لبنان» إلى «غياب السياسات الحكومية الناظمة لجميع القطاعات ومنها قطاع التعليم بكافة مستوياته، إذ تقاعست الحكومات المتعاقبة عن وضع استراتيجية تسترشد بها وزارة التربية والتعليم العالي، وكذلك الجامعات والمعاهد وكافة المؤسسات الأكاديمية والفنية المهنية، في استيعاب الطلاب وتوجيههم نحو اختصاصات مهملة او مستجدة تنفيذاً لسياسة استراتيجية واضحة لدعم قطاع معين أو استنهاض آخر وتنشيطه. فالإحصاءات والدراسات المتخصصة تُشير إلى توجه الطلاب اللبنانيين وتركزهم في اختصاصات جامعية محددة، ما يُساهم في زيادة نسبة البطالة لدى شريحة كبيرة من حملة الشهادات الجامعية».

وتشير الدراسة إلى أن «الصناعة البترولية على درجة عالية من التقنية وتعتمد بشكل أساسي على تقدم التكنولوجيا والمهارات التخصصية، لذلك كان من الطبيعي ان يحتل المهندس مركزاً متقدماً في العمليات التقنية المرافقة لمراحل الصناعة النفطية، إضافة إلى حاجة شركات البترول إلى شريحة كبيرة من التقنيين والفنيين الذين يتمتعون بمهارة عالية ويستطيعون العمل مباشرة أو بعد الخضوع لبرامج تدريب مكثفة. وبحسب آراء بعض الخبراء، فإن القطاع النفطي يحتاج إلى ثلاثة مستويات من التخصص والخبرة، تبدأ مع فئة المهندسين في كافة الاختصاصات وأهمها هندسة البترول، ومن ثم تليها فئة حملة الشهادات الجامعية التقنية والفنية، ويليها في أسفل الهرم الوظيفي الموارد البشرية العاملة في قطاع البترول، من عمال الحقول الذين لا يحتاج معظمهم إلى شهادات أكاديمية، إنما إلى دورات تخصصية ميدانية كسائقي الحافلات والالآت الضخمة. ويؤكد هؤلاء في دراسة أن الركيزة في هذا القطاع هي فئة المتخصصين من تقنيين وفنيين الذين يعملون، إلى جانب المهندسين المختصين، حيث من المتوقع أن يستوعب قطاع البترول في مراحله الأولى ما بين 200 و300 مهندس في حين قد يتراوح عدد ما يحتاجه القطاع من يد فنية وتقنية وخبرة عملية ما بين 2000 إلى 4000 موظف وعامل. قد يحتاج كل مهندس بالحد الأدنى إلى سبعة تقنيين وفنيين لمواكبته ومعاونته في إنجاز مهامه. لذلك، ومن أجل التخفيف من ظاهرة تنامي نسبة البطالة بين الشباب الجامعي، ينبغي إنشاء واستحداث وتطوير المعاهد الجامعية الفنية والتقنية بكافة مراحلها، وتوجيهها بشكل سليم نحو حاجات القطاع النفطي والأنشطة المرافقة له كافة، وهذا الأمر في غاية الأهمية، ويُشكل تحدياً لا سيما إذا ما التزمنا بأحكام قانون البترول رقم 132/2010 والمراسيم التطبيقية له وخصوصاً نص المادة (20) من مسودة اتفاقية الاستكشاف والإنتاج التي ألزمت المتعهد بتوظيف وتشغيل اليد العاملة اللبنانية بنسبة 80% من مجموع العاملين في هذا القطاع».

وترى الدراسة أن «على لبنان الاقتداء بتجارب دولية ناجحة (النموذج التعليمي النرويجي) في هذا المجال، وذلك للاستفادة منها في انتهاج سياسة توائم بين واقع الاقتصاد اللبناني المترهل وبين تحديات قطاع النفط المُستجدّ، بحيث يكون في أول سُلّم الأولويات إنشاء واستحداث وتطوير المعاهد التقنية المتخصصة في إعداد وتأهيل الكوادر البشرية اللازمة للنهوض في قطاع البترول، وتجنيبه ما تعانيه القطاعات الاقتصادية الأخرى من قصور وفشل».

وتقسم الدراسة الاختصاصات الأكاديمية - الفنية المطلوبة في قطاع البترول كالآتي:

ـ اختصاصات العلوم: «تشكّل خلفية معرفية قوية تسمح بتكوين أساس صلب لشريحة واسعة من العاملين المتخصصين بمجال البترول. وتؤدي تلك الاختصاصات دورها بنحو بارز في مرحلة المنبع، حيث تشكل تلك العلوم أسساً معرفية في مرحلتي الاستكشاف والإنتاج، فضلاً عن دورها في بقية المراحل وخصوصاً المرحلة الوسطى حيث تجري عملية التكرير. وتضم ثلاثة اختصاصات رئيسة، هي: الجيولوجيا، والجيوفيزياء، والجيوكيمياء».

- اختصاصات الهندسة: «تحتل مكانة أساسية في صناعة البترول بجميع مراحلها، وعلى الرغم من تشعب مجالات قطاع البترول وصناعاته، تبقى هندسة البترول وحدها غير قادرة على إنتاج ما يكفي من الكوادر البشرية المتخصصة الضرورية، فتطوّر الصناعة البترولية حتّم دخول فروع من علم الهندسة وقد بلغ عددها 12 اختصاصاً إلى جانب هندسة البترول».

- اختصاصات الإدارة: «يهدف تخصص الإدارة في النفط والغاز إلى تزويد المتخصص بالمهارات اللازمة لإدارة العمليات والمراحل المتعددة في الصناعة البترولية، ولا سيما في المسائل المتعلقة بإدارة العمليات واتخاذ القرارات الإدارية الحاسمة والصحيحة للإنتاج البترولي، وتنسيق الأنشطة المتنوعة من أجل الحصول على أعلى إنتاج ممكن مع الحفاظ على جودة عالية ومخاطر محدودة بتكلفة مدروسة ومعقولة».

- الاختصاصات القانونية: «لا يختلف عمل المحامي في شركات البترول عن عمل المحامين في الشركات التجارية المختلفة، حيث يتولى مهمات الدفاع عن حقوق الشركة تجاه الغير، ويمثلها أمام القضاء، ويتولى مسائل إعداد العقود وإبرامها وتجديدها، ولا سيما عقود العمل والتأمينات كافة».

- الاختصاصات المهنية والفنية: «تلعب دوراً بارزاً بصفتها الوسيط أو الرابطة المحورية بين معرفة المهندس والخبرة العملية المكتسبة في ميدان الصناعة، وتشكل حلقة وسطى تتكامل فيها العلوم الهندسية مع الخبرة العملية».