ليس خبرا سعيدا أن لا يترك اثراً غياب باحث مجتهد، وملتزم بقضايا العولمة والأصولية والبنيوية والحداثوية مثل غياب الدكتور مطاع الصفدي.

توفي المفكر السوري مطاع صفدي عن عمر ناهز 87 عاما، وذلك بعد حياة حافلة بالإبداع في مجال الفلسفة.

أمضى الباحث نصف حياته واكثر في بيروت منكباً على افكاره وكتبه ، على رأس منفاه البروتي «مركز الإنماء القومي» بيروت، يناقش في هوامش البحث الفلسفي مسائل عدة في الوجودية، والشخصية المفهومية للعالم، مروراً بالبنوية، والتأويل والحداثة البعدية، ويتحدث عن عالم يولد جديداً، مجهولاً وبريئاً، معتبراً ان الشر المحض هو نظام الامن العالمي.

صفدي مفكر كبير ؛ يعد من أشهر أعلام الفكر الفلسفي العربي المعاصر حيث تربت على مؤلفاته ومقالاته أجيال من القراء العرب، وكان له دور بارز في رعاية ترجمة العديد من أمهات الكتب الفلسفية والفكرية إلى العربية.مواليد عام 1929 في العاصمة السورية دمشق.تأثر صفدي في خمسينيات القرن العشرين بالفلاسفة الغربيين المعاصرين الملتزمين بقضايا شعوبهم وأممهم، خاصة التيار الوجودي وزعيمه الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر الذي أعجب به صفدي منذ شبابه وظل كذلك.تبنى فكرة القومية العربية منهجا للتحرير والتحرر فانتمى إلى حزب البعث العربي، لكنه سرعان ما استقال منه وكان أول منتقديه في كتاب شهير أصدره عام 1964 بعنوان "حزب البعث.. مأساة المولد ومأساة النهاية"، قائلا إنه اكتشف أن هذا الحزب "لم يكن يخدم الأهداف الحضارية العربية".

أسس صفدي وترأس "مركز الإنماء القومي" (عام 1981) الذي نشر عبره مؤلفاته وترجماته، وترأس تحرير مجلتيْ "العرب والفكر العالمي" و"الفكر العربي المعاصر" فاستقطب لهما عددا كبيرا من المفكرين في المجال الفلسفي العربي، واهتمتا بنشر ملفات تتناول قضايا الفلسفة والفلاسفة. وكان يكتب في عدد من الصحف والمجلات العربية حتى آخر أيامه.

التقيته في المركز في الروشة في بيروت 2005، على هامش اصداره كتابيه «نقد الشر المحض، نظرية الاستبداد في عتبة الألفية الثالثة»، و«بحثاً عن الشخصية المفهومية للعالم».

شخصية مدينية لها وجهات نظرها، من مثل أن الحرب العالمية الثالثة ليست سوى الأمركة، وكترجمة محتومة لعصر نهاية التشكيل الغربي، وكطريقة حياة يومية تحت وصفة أميركية.

رحم الله الصفدي، قرأ نقدياً الفكر الغربي من زاوية العقل الغربي نفسه، وأعتبره مغامرة الفكر الدنيوي الخالص، مبدياً شغفه بأوروبا الروحية، في لحظة الوقت فيها للعنف، وليس الوقت للفلسفة، وحيث الشر المعرفي الحداثوي هو ليس حالة ولا نظاماً، هو نظام الامن العالمي، وتاريخ المستقبل الذي لن يكون سوى تاريخ الشظايا، شظايا المركزة الاميركية، مع الحصار المقبل على حطام اليسار الايديولوجي، على الرغم من أن الليبرالية الجديدة تريد ان تقول بأن لحظة نهاية التاريخ ليست لحظة لسقوط هذا الايديولوجي.

رحل صفدي وبقي سؤاله، هل يبقى الامل بحقوق الانسان على أساس توأمتها دائماً وإلى ما لا نهاية مع الواقع الذي يناقضها، أي الاستبداد في الشفافية العارية من «الشر المحض»، المجسم هنا وهناك، بأصولية وأخرى؟ ومع طغيان الدين على الفلسفة، ومع تحول الفكر من كونه عالماً عقلياً وإغريقياً إلى تكنولوجيا، والتكنولوجيا تتحول نفسها ميتافيزيقا الحداثة، وحيث يخشى المعرفي مواجهة فلسفية حقيقية مع التقني لا سيما وسط ثورة الميديولوجيا وانتشار العولمة وموتها في تجريد الصوت؟ رحل الصفدي وبقي سؤاله إنكاريا ً: هل أوشك المشروع الغربي على تجديد ثورة الديموقراطية على الصعيد المعرفي، وهل انبثاق فرد عربي يؤشر على تحول معرفي في صميم الحضارة العربية، الاسلامية، ومؤشر لحداثة بعدية، وشرط لولادة عصر جيوفلسفي، الديموقراطية فيه هي الثورة الحقيقية؟ أسئلة وأخرى طرحها مطاع صفدي في حوارمتشظي طويل ومتعب حقيقة، وفي مناخات فكرية معاصرة،لم تدعمه فيها الاسئلة كثيرا، غادرحياة تجريدية صعبة !

أسس الصفدي "مركز الإنماء القومي"، وترأس تحرير مجلة الفكر العربي المعاصر، وكان له دور بارز في رعاية ترجمة العديد من أمهات الكتب الفلسفية والفكرية إلى العربية.

خلف وراءه مجموعة مهمة من الكتب، من بينها "فلسفة القلق" و"الثورة في التجربة" و"إستراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية" و"نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة" و"نظرية القطيعة الكارثية" و"نقد الشر المحض: نظرية الاستبداد في عتبة الألفية الثالثة".

كما نشر عددا من الأعمال الروائية والقصصية، من بينها "جيل القدر" و"ثائر محترف" و"أشباح أبطال".