ليس مؤتمر باريس لمختلف القوى الليبية وحده الذي يؤشر الى ان الطريق الى الحل قد فُتح، وان كان يؤكد ان الضوء الأخضر قد أضيء. لا يعني ذلك ان السلم الأهلي قد عاد او انه سيعود غداً. ما زال وصول "قطار" الحل متأخراً، لانه مهما كانت النوايا الشعبية الليبية اولاً والإرادات الخارجية طيبة وإيجابية فإن ذلك لا يكفي للتوفيق بين مختلف القوى المتحاربة والمتنافسة منذ ١٧ فبراير ( شباط) من العام ٢٠١١، اي عندما هبت على نظام العقيد معمر القذافي رياح "الربيع العربي"... ولا بطبيعة الحال بين قوى خارجية بعضها مزروع منذ بدايات القرن العشرين مثل إيطاليا وبعضها الآخر منذ عدة عقود مثل فرنسا.

الخوف من ان تتحول ليبيا الى دولة فاشلة يُرعب الاتحاد الاوروبي ومعه الولايات المتحدة الاميركية. موقع ليبيا الجغرافي يشبه قاعدة واسعة لجسر غير مرئي بين ضفتي البحر الابيض المتوسط، سبق أن صدّر، وهو قادر أكثر فأكثر على تصدير موجات مخيفة من المهاجرين غير الشرعيين عبر شواطئه الى أوروبا، وفي القلب منهم مجموعات شرسة ومدربة وحاقدة من إرهابيي "داعش" و"القاعدة"، قادرة على نشر الرعب أينما وصلت "كرة النار" التي تحملها بعد ان تدحرجها، معتمدة في نشاطها الإرهابي الاسود على "ذئاب" منفلتة .

الى جانب عامل الرعب، فان كون ليبيا من الدول المهمة لإنتاج النفط والغاز القليل الكلفة بسبب سهولة استخراجه وقصر المسافة الى الدول المستوردة، حرّضا الولايات المتحدة الاميركية ودول الاتحاد الاوروبي على العمل لتسهيل عقد مؤتمر باريس الذي جمع ما لم يجتمع من القادة الليبيين مع بعضهم البعض... يكفي اجتماع المشير خليفة حفتر قائد "الجيش الوطني" وفائز السراج "رئيس المجلس الرئاسي". وضع الاجتماع الارضيّة للحل إنما شفهية وليس خطية... الجميع سيتابع ويراقب التنفيذ خصوصاً وان الانتخابات يجب ان تجري في نهاية العام الحالي، ما يدعم إمكانية النجاح رغم كل العراقيل التي يجب تجاوزها لتتحقق التوازنات الضرورية والمطلوبة بين مختلف الافرقاء الداخليين قبل الخارجيين.

المشكلة التي يحاول الجميع حلّها، ومن بينهم المبعوث الاممي الدكتور غسان سلامة، هي الحصول على رضى القوى الليبية سواء من الانتخابات او في حجم التمثيل الذي سيحصلون عليه. المشكلة مزدوجة في ليبيا على غرار لبنان وان بتسميات مختلفة. بدلاً من الطائفية توجد القبلية وكل قبيلة تريد تمثيلا يوازي حجمها، والجهوية حيث كل جهة (من التكوين الجغرافي) تريد حصتها. لذلك يجب ان تحصل المنطقة الشرقية على حصة تماثل حجمها واهميتها والمنطقة الغربية وكذلك الوسطى... اخيراً وليس آخراً، كيفية توزيع الثروة النفطية على مختلف الجهات والقوى وهي ضخمة جداً، الى جانب مشكلة ضخمة مختصرة في عملية اعادة الإعمار المكلفة جداً بطريقة عادلة بين "الجهات" وسريعة .

معركة درنة وإمكانية تحريرها عاجلاً، نقطة مضيئة على طريق الحل. قوات المشير حفتر حققت انتصارات مهمة لان الاميركيين والمصريين دعموه بالمعدات وبطائرات "الدرون"... بعد تحرير درنة تكون "القاعدة " قد تلقت ضربة قاصمة خصوصاً وأنها تسيطر على المدينة منذ العام ٢٠١٥ بعد ان طردت قوات "داعش" منها .

سفراء اميركا والدول الغربية المعنية بليبيا خصوصاً واشنطن وباريس وروما اضافة الى الامم المتحدة عقدوا مؤتمراً في تونس عددوا خطوات استبشروا منها خيراً وأبرزها الانتهاء من وضع الميزانية الوطنية الموحدة مما سيؤدي الى حصول المؤسسات الحيوية على التمويل بما في ذلك المدارس والعيادات والخدمات البلدية... مما يسهل حياة الليبيين ويخفف من معاناتهم والمواجهة بالسلاح، تمهيدا لانخراطه في الحل السياسي .

كل هذا جيد ومنتج لكن الأهم ان الليبيين يريدون ويرغبون بعودة السلام تمهيداً لاعادة البناء... على غرار عودة نازحي الجبل في لبنان على يدَي الزعيم الوطني وليد جنبلاط والبطريرك الاستثنائي نصرالله بطرس صفير، تكررت تجربة عودة مهجري تاورغاء بعد سبع سنوات من النزوح، وبعد ان كسروا حاجز الخوف الى قريتهم وبعملية مرتبة من لجنة المصالحة التي ضمت مجموعة مشتركة من مصراته وتاورغاء... على أمل ان تتكرر في نواحٍ ومدن ليبية تقاتلت ونزلت دماء شبابها في حرب عبثية كان للخارج حصة كبيرة في إشعالها...