يبدو أن لبنان في وضعٍ مريحٍ نسبياً، مع بدء التحضيرات لعمليات الاستكشاف والتنقيب عن أول احتياطات للنفط والغاز في البحر التي أعلن عنها وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل نهاية أيار الماضي، وذلك بعد موافقة وزارة الطاقة على خطة قدمها الكونسورتيوم الذي فاز بالتزام البلوكين 4 و9 («توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية و«نوفاتك» الروسية).

الكلام الإسرائيلي الأخير عن وساطة أميركية جديدة بقيادة السناتور الأميركي اللبناني الأصل داريل عيسى لحل النزاع البحري مع لبنان، لفت الأنظار لجهة التوقيت، سيما وأن المفاوضات غير المباشرة، تتراجع وتتقدم عادة، لكنها لم تتوقف تماماً. إلا أن جديدها اليوم هو الربط بين الترسيمين البري والبحري، أي أن هناك سلة متكاملة للمسارين سواء في المنطقة الاقتصادية الخالصة أو على الخط الأزرق براً حيث نقاط خلافية عدة تبدأ من رأس الناقورة ولا تنتهي في مزارع شبعا. كما أن التوقيت يأتي ليحسم الجدل على البلوك رقم 9، علماً أن الكونسورتيوم لا ينوي الحفر في المناطق محل نزاع، في حين ستحفر الآبار الاستكشافية في المناطق التي فيها إمكانية عالية لاكتشاف كميات تجارية بناء على الدراسات السيزمية.

وفي هذا الإطار، قال الخبير ربيع ياغي لـ«المستقبل» «الجديد في المبادرة هي عملية الربط بين النقاط الخلافية على البر في رأس الناقورة ومزارع شبعا وغيرها من النقاط المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل. بالنسبة لنا، المهم الآن هو البحر والمنطقة الاقتصادية الخالصة. فلبنان يعترف باتفاقية تقسيم المياه، في حين أن اسرائيل لا تعترف بها وتحاول التقدم شمالاً نحو البلوك رقم 9 سيما أن المنطقة المتنازع عليها هي بحدود الـ850 كيلومتراً». اضاف «الجديد هو أن تكون عملية الترسيم حزمة واحدة، وسيقبل لبنان بالطبع بالمفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل دون أي تنازلات أو سواها، وعلى اسرائيل أن تنسحب من النقاط التي تعود إلى سيادة الدولة اللبنانية».

وأوضح ياغي «أن المفاوضات ستبدأ بمجرد أن يجيب الجانب الإسرائيلي على بعض الاستفسارات التي أودعها لديه الوسيط الأميركي، وهي لا تزال قيد الكتمان إلى الآن، إلا أن جل النقاط التي يريد لبنان استيضاحها تبقى ضمن إطار السيادة وموضوع الترسيم». وأشار إلى أن «موضوع المفاوضات الآن يطبخُ على نار هادئة، والترسيم هو مطلب لبناني وليس إسرائيلياً، كون لبنان هو الدولة المعتدى عليها لا إسرائيل التي هي الدولة المعتدية، ونأمل أن يكون الضغط تجاه الطرف الإسرائيلي».

ونفى ياغي المعلومات التي تحدثت عن إمكان حل المشكلات في البلوك رقم 9 خلال الاستعانة بشركات روسية في البلوك رقم 9 على اعتبار أنها تستطيع حل النزاع من خلال قدرتها على الوقوف في وجه «حزب الله» وإيران، وقال إن «هذا الأمر غير وارد بتاتاً».

من جهتها، قالت مديرة حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا الخبيرة لوري هايتيان، لـ«المستقبل»، إن اسرائيل «تحاول الضغط على موضوع الحدود، سيما وأن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز كان قد هدد قبل مدة بمنع التنقيب في لبنان، ما لم يُصر إلى إعادة النظر في البلوك رقم 9. كما حذرت إسرائيل شركات الطاقة اللبنانية من التنقيب بالقرب من حدودها. ورغم ذلك، نجح لبنان في إجراء مناقصات التلزيم رغم التهديدات الإسرائيلية، والشركات الثلاث التي دخلت عمليات التلزيم هي شركات عالمية. علماً أن شركة توتال الفرنسية هي من ستلتزم حفر البلوك رقم 9 أواخر 2019، إلا أنها لن تقترب من المنطقة المتنازع عليها في هذا البلوك الكبير، بل ستبتعد نحو 25 كيلومتراً عنه. وهو امر شددت عليه توتال خلال الاحتفال الرسمي بالفوز بالمناقصة قبل أشهر». وأوضحت أن «المنطقة المتنازع عليها في البلوك رقم 9 تشكل من نحو 8 في المئة من مساحة هذا البلوك، لذلك فإن ما ستقوم به توتال خلال عمليات الحفر هو الابتعاد عن جر لبنان عن أي خلاف مع إسرائيل».

وأشارت هايتيان إلى أن «الرخصتين الممنوحتين لاستكشاف وتنقيب البلوكين 4 و9 خطوة متقدمة، والآن ستقوم عمليات مسوحات جيولوجية وإعادة دراسة للأثر البيئي وستستكمل عمليات الترخيص من الوزارات والإدارات المعنية في لبنان». وأملت ألا تكون هناك أي عراقيل «بمعنى أن العام 2018 هو العام التحضيري الفعلي لعمليات الحفر، لذلك يجب عدم تعطيل أي نوع من أنواع التراخيص سيما وأن كل تعطيل سيكون له آثاره السلبية علينا».

ولفتت إلى أنّ «إصرار لبنان على الربط بين الترسيمين البري والبحري يأتي في مقابل محاولات إسرائيل استغلال أي تقدم لها على الخط الأزرق مع لبنان للتقدم على المسار البحري، وهي محاولة خبيثة تهدف إسرائيل من ورائها إلى أن تحقق تقدماً على المسار البري باعتبار أن هذا الأمر يمكن أن يزيد من حجم النسبة للبلوك 9 المتنازع عليها. وليس مستبعداً حينها أن تطالب اسرائيل بالبلوك رقم 8، فهي بالطبع لا تقوم بأي عمل بريء».

وختمت هاتيان: «إن المفاوضات ليست بالأمر الجديد بل التوقيت هو ما فاجأ الجميع إلا أنه يبقى توقيتاً مهماً عشية عمليات الاستكشاف والتنقيب لأنه بعد دخول لبنان في عمليات التنقيب، فإن اسرائيل لن تتوانى عن المطالبة بحصة من البلوك رقم 9 بحجة أو بأخرى، لذلك من الأفضل القيام بعملية الترسيم اليوم وهو ما يضمن مستقبلاً عدم استيلاد أزمة ديبلوماسية».

يبقى أنّ لبنان، سيبقى موقفه موحداً تجاه التمسك برسم الحدود البحرية، تحت مظلة الأمم المتحدة ووفقاً للقوانين الدولية في هذا المضمار، فلبنان لا يمكنهُ أن يتنازل عن حقهِ أبداً، ولا عن سيادته، بل هناك موقفٌ موحد لدى كل الأطراف السياسية، وبالتالي لا حل عند لبنان سوى أن تتقيد اسرائيل بالقوانين والمعاهدات الدولية، وأن تتراجع عن المياه الإقليمية الخالصة العائدة للبنان.