لم يُكتب لمحمد الضابط «النجاح» في مسعاه لكشف شبكة تتعامل مع الموساد الإسرائيلي، شبكةٌ هي من بنات افكاره، بعدما وقع في شِباك العميل الاسرائيلي وليد النقوزي الذي طلب منه «إحداث خضة أمنية في صيدا»، بالتخطيط معه لاغتيال النائب بهية الحريري.. سارع المتهم محمد الضابط، إلى إعلام اللجنة الأمنية في "حزب الله" عما جرى معه، إلا أن ذلك أتى بعد أن كان المتهم قد «وعد» النقوزي بـ«شو ما بدّك بيصير»، طمعاً بتحسين وضعه المادي حيث وافق حينها على «عرض» النقوزي بإفتعال خضّة أمنية قائلاً له ما حرفيته: «مش فارقة معي المهم يتحسّن وضعي المادي».

«متسلّحاً» بإفادة أحد المسؤولين الأمنيين في الحزب الشيخ م.م.، مثل الضابط، الذي قلّل من أهمية هذه القضية، «ليش مكبرين هلقد الموضوع»، أمس أمام المحكمة العسكرية التي أخلت سبيله في نيسان الماضي بعد توقيفه لحوالي ستة أشهر، حيث أفاد الشيخ المذكور في معرض التحقيق الاستنطاقي معه بأن المتهم أعلمه بتواصل أحد العملاء معه وأنه أي الشيخ م. م. طلب منه أن يبقى على تواصله مع العميل النقوزي، إلا أن الفترة التي أبلغه فيها المتهم عن طلب النقوزي منه معلومات عن مسؤولين للحزب في صيدا ومراقبة تحركات النائب الحريري لاغتيالها، كانت قصيرة حيث ألقي القبض عليه بعد يوم واحد من إبلاغه بهذه الامور.

أما لماذا لم يلجأ المتهم إلى إبلاغ القوى الأمنية أو الجهات القضائية بذلك - سأله رئيس المحكمة العميد الركن حسين عبدالله - وجاء جوابه:«لأن الأمر يعني حزب الله والحزب لم يترك عائلتي خلال فترة توقيفي ومدّ لي يد المساعدة أثناء علاجي».

صحيح أن المتهم أقرّ بالتواصل مع النقوزي على مدى ثلاثة أيام حيث أوقف في اليوم الثالث من تلك المحادثات بينه وبين المتهم الفار النقوزي، إلا أنه لم يجد تبريراً لواقعات اقرّ بها أيضاً في التحقيق الأولي كسبب تصويره مقاطع فيديو في شارع المرجان باتجاه حي البراد في صيدا والتقاطه صوراً لدار الافتاء ومكتب تيار المستقبل وإرسالها إلى النقوزي، حيث كان جوابه: «أنا استغرب كتابة ذلك في التحقيق حيث قالوا لي بانني مناضل ويجب أن أعود إلى منزلي»، معترفاً فقط بتصوير«باب محل النقوزي» الذي كان معداً لبيع السكاكر«من باب الحنين».

في استجوابه أمس أمام المحكمة بحضور وكيله المحامي بلال الحسيني، بادر رئيس المحكمة لدى سؤاله عن المتهم الفار وليد النقوزي بتنهيدة قائلاً: «آه من وليد»، مضيفاً بأن الأخير كان جاره في حي البراد، حيث كان وليد عنصراً في مخابرات الجيش.

تطرق المتهم إلى «نضاله» داخل صفوف التنظيم الشعبي الناصري، ومحاربته اليهود حين ألقى قنبلة في بستان كانت تستهدفهم وكان النقوزي شاهداً على ذلك، وكذلك تنفيذه مهمات «خفيفة» كان يوكلها إليه رئيس التنظيم مصطفى سعد ومشاركته في دورة للضباط في روسيا. وعاد المتهم بذاكرته 40 عاماً حين كان والنقوزي جاران يمضيان الليل في محل الأخير في صيدا أثناء عمليات استنفار ضد اليهود، وبعد زواجه وانتقاله إلى محلة القعقور لم يعد يعرف شيئاً عن النقوزي وكان يعتقد أنه في أميركا أو المانيا.

أما كيف إستُجدّت العلاقة بين «الصديقين»، فيروي الضابط في البدء رداً على أسئلة الرئاسة بأنه تعرف عبر الفايسبوك على فتاة تدعى دانوشكا، كان ذلك خلال العام 2016 بعدما وافق على طلب صداقتها، وبعد أن«استطلع» صفحتها على الفايسبوك ليتبين له أن لديها حوالي 200 صديق من صيدا.

سبق هذه «العلاقة»، تعارفٌ وعبر الفايسبوك أيضاً بين المتهم وامرأة فلسطينية من غزة تدعى بسمة، وكان يتواصل معها أحياناً عبر «الماسنجر»، لـ«حثّها وتشجيعها على حب الحياة بعد أن فقدت كل أمل في ذلك بسبب اعتقال ابنها واستشهاد ابنها الآخر»، وإن المتهم كان قد وضع اسماً مغايراً لاسمها في هاتفه «لكون زوجتي كانت من النوع الذي يفتش في هاتفي».

وبالعودة إلى دانوشكا، فانها ابنة وليد النقوزي. وفي هذا الإطار يروي المتهم أنه خلال شهر نيسان من العام الماضي وأثناء مغادرته المنزل إلى عمله على سيارة أجرة، تلقى اتصالاً عبر الماسنجر، اعتقد أنه من دانوشكا، «توقفت إلى جانب الطريق لأتسلى معها، إنما فوجئت بصوت رجل يسأل عن أحوالي، فأستوضحته عن هويته حيث قال إنه وليد النقوزي»، وعندما علم أن المتهم يعمل سائق أجرة قال له بتهكم: «بعد نضال 35 عاماً وفي النهاية سائق أجرة»، ليعقّب الضابط على ذلك «وموتو رايح كمان وكلفته 500 دولار».

وأضاف الضابط في استجوابه أن وليد وعده بارسال مبلغ مالي لتصليح سيارته وطلب منه إرسال صورة عن هويته لتحويل المبلغ، ثم راح يسأله عن أحوال الحي «وشو مشتاق للحي»، قبل أن يطلب منه إرسال صور لمحله الذي يشغله حالياً شقيق النقوزي، وإن المتهم بالفعل وأثناء مروره قبالة المحل التقط صورة له من نافذة سيارته ولم تكن الصورة واضحة تماماً.

وبعدما علم بأن النقوزي يتواصل معه من حيفا سأله «كنت بالجيش وشو أخدك عا حيفا»، وتوجه المتهم حينها مباشرة لسؤال شقيق النقوزي عنه حيث طلب منه الأخير عدم ذكر اسم شقيقه وليد الذي فر إلى إسرائيل تاركاً اولاده لشقيقه.

في اليوم التالي وصلته صورة لجندي اإسرائيلي كتب النقوزي في أسفلها «هذا ابني»، وحينها قرر المتهم قطع التواصل معه فـ«بعد نضال 40 عاماً بدي أحكي مع واحد عميل!». ويوضح المتهم بأن النقوزي لم يستطع إرسال المال الذي وعده به وأعلمه بأنه سيرسله مع أحد المطارنة وعندما استوضحه عن مكانه قال إنه في حينها وكان في اعتقاده أن النقوزي يتواصل معه من أميركا أو المانيا.

ويتابع المتهم روايته فيقول أنه في تشرين الثاني من العام 2017 أجرى عملية قلب والتقطت له ولابنه صورة في المستشفى قام بنشرها على الفايسبوك، ليفاجأ بتعليق من حساب دانوشكا: «سلامتك أبو حميد شو صاير معك»، إلا أن المتهم لم يرد، لكن التعليق أعقبه مباشرة رسالة كتب فيها «بدي معلومات عن اسماء في حزب الله وبدي حسّنلك وضعك يا محمد».

على إثر ذلك قرر المتهم إعلام اللجنة الأمنية في حزب الله فتواصل مع م.ر. وأعلمه بما حصل معه، «واعتقدت أنه قد يكون هناك شبكة في صيدا تتعامل مع اليهود بعدما كان لدانوشكا أصدقاء كثر على الفايسبوك من صيدا وقد يتم اكتشاف الشبكة من ورائي». ويضيف المتهم أنه أُخضع لتحقيق مطوّل من اللجنة الأمنية من قبل محققين مختصين في هذه الأمور، حيث طلب منه «المحقق» أن يكتب للنقوزي «انا بعدني مريض»، وبعد أن قام بذلك رد النقوزي بعد ساعة كاتباً: «يا أهلا، بدي حسّنلك وضعك وبدي معلومات عن اسماء حزب الله في صيدا».

وإنفاذاً لتعليمات «المحقق»، فإن الضابط حصر تواصله مع الشيخ م.م. الذي طلب لقاءه. وعندما كان المتهم في طريقه للقاء الشيخ م.م. حيث بوصوله إلى إشارة ضوئية اتصل به النقوزي فأجابه المتهم بالصوت«شو ما بدك بيصير». وبوصوله إلى «التحقيق» فان«المحقق لامني على ذلك» وطلب منه ارسال رسالة للنقوزي يكرر فيها بـ«انني مريض وفي السرير»، وحينها ابلغ «المحقق» ان النقوزي قد يعمد إلى تجنيد آخر اذا علم بأن المتهم مريض.

في اليوم الثالث من التواصل، وأثناء مغادرته المنزل تلقى المتهم رسالة من النقوزي مفادها: «بدي خضّة بمنطقة صيدا والضربة بهية الحريري وبدي خلّي وضعك يصير بلّوج».

سارع المتهم إلى ابلاغ الحزب بعدما تم تزويده برقم خاص للتواصل معه، حيث طُلب منه الحضور «للتحقيق»، وأن «المحقق» طلب منه أن يجيب على الرسالة بالقول «أنا بعدني مريض بالفرشي بس أنا بدّي نفّذ». وحينها سأل المتهم «المحقق»، «وين آخديني».

وباستيضاحه عما قاله للنقوزي أنه وافق على عرضه «ومش فارقة معي المهم يتحسن وضعي المادي»، أجاب المتهم بأنه «شعر بالظلم أثناء وجوده في السجن، وما حصل معي هو ما أذكره الآن أمام المحكمة» مضيفاً أن حزب الله قال له:«اتصل بنا لو تعرضت للتوقيف من أي جهة كانت».

وأفاد المتهم أن شقيقه تربطه صداقة بأحدهم في جهاز الأمن العام الذي طلب منه لقاءه وأن المتهم أخبره بما حصل معه وبأن الحزب على علم بذلك إلا أنه تم توقيفه وأحيل إلى المديرية العام للأمن العام في بيروت حيث أوقف ستة أشهر، وأن الحزب نبهه إلى الاتصال به «حتى لو ان رئيس الجمهورية اتصل بي».

وقررت المحكمة رفع الجلسة للحكم إلى الرابع من تموز المقبل بعد أن استمهل وكيل المتهم للمرافعة.

(خاص "المستقبل")