تحتفل الجمهورية الإسلامية في إيران، بذكرى وفاة الإمام الخميني. بعيداً عن نوعية وطبيعة الاحتفالات في هذه المناسبة، لا شك أن الإيرانيين يطرحون على أنفسهم قبل الآخرين، أين كنّا وأين أصبحنا؟ وماذا عن حصيلة «الجمهورية الخامنئية» التي قامت في ظل «الثورة الخمينية»؟

مراجعة دقيقة، للعقود الثلاثة «الخامنئية»، تؤكد تراجع «الثورة الخمينية» كثيراً بسبب طموحات كبيرة وضخمة لا تتناسب مطلقاً مع واقع إيران، سواء من حيث إمكاناتها أو قدراتها أو دائرة تحالفاتها. طموح الإمام الخميني كان كبيراً فعلاً لكنه كان محصّناً بموقف فكري و«ايديولوجي» إذا صح التعبير.

المرشد خامنئي كسر كل الدفاعات والجسور التي وضعها الإمام الخميني، حتى وصلت إيران إلى مرحلة العداء مع معظم محيطها الجغرافي وحتى العالمي. الشعارات الضخمة لم تعد صالحة لتغطية الفشل. إيران التي أرادها الإمام الخميني غير منحازة تحت شعار «لا شرقية ولا غربية»، ومتصالحة مع محيطها «لا شيعية ولا سنية»، انحازت إلى روسيا كلياً، وغرقت في خنادق المذهبية داخلياً وخارجياً إلى درجة أن رئيس الجمهورية حسن روحاني طالب بـ«إنصاف الأقليات وخصوصاً السنّة في الداخل»، إلى جانب أن غرق إيران في «المستنقع السوري»، جرّدها من كل علاقاتها مع السنّة ودفعها نحو عداء له جذوره التاريخية مع سنّة الشام، بعد أن قُتل نصف مليون سوري، 80 في المئة منهم من السنّة، وهُجّر منهم خارج سوريا حوالى عشرة ملايين نسمة، تسعون في المئة منهم من السُّنة. هذا من دون الحديث عن «تشليع» سنّة العراق وتحويلهم إلى عدد مكمل وليس جزءاً كاملاً ومتكاملاً مع باقي شرائح المكونات العراقية.

حدث هذا كله، لأن المرشد خامنئي اعتقد في لحظة معيّنة ومعه شريحة مهمة من «الحرس الثوري» ومن «البازار» و«الملالي»، أن أفضل خطة للدفاع عن النظام هي نقل المعركة بعيداً عن الحدود، فكان أن تمدّدت إيران إلى أربع عواصم عربية وأعملت فيها «سيف» الحروب تحت شعارات مختلفة كان أسوأها وأكثرها مذهبية: «السيدة زينب لن تُسبى مرّتين».

في الرابع من حزيران من العام 2019، وبعد أن صرفت إيران حوالى مائة مليار دولار على النظام الأسدي بقيادة الأب والابن، وسقط لها المئات وربما ألفا مستشار عسكري، وألفا مقاتل من «حزب الله» أعدوا لمقاومة ومحاربة إسرائيل، وآلاف الميليشيات الشيعية من العراقيين والباكستانيين والأفغان وغيرهم، تبدو وكأنها تستعد للانسحاب مع ميليشياتها إلى العمق السوري بعيداً عن القنيطرة، وبالتالي عن خطوط الالتحام مع الجيش الإسرائيلي، لتسقط بذلك أحلام المقاومة.

يُقال في المثل الشعبي: «مثل الذي يأتي بالدب إلى كرمه» عليه تحمل الخسائر. المرشد خامنئي أتى بالرئيس فلاديمير بوتين إلى «الكرم السوري»، ليساعده حيث لا يمكنه التدخل ولا المواجهة. النتيجة أن «القيصر» الذي يتحمل مرغماً عنه «الكاوبوي» الأميركي يقول للإيراني «أديت قسطك للعلا.. الله معك». لافروف وزير الخارجية الروسي قال علناً: «القوات السورية هي الوحيدة التي يجب أن تكون على حدود سوريا مع إسرائيل». أما مندوب وحامل أسرار بوتين إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف فكان قد أوضح قائلاً: «إن سحب جميع القوات الأجنبية من سوريا يخص الجميع ما عدا روسيا». وأخيراً أكدت قيادة «قاعدة حميميم» الروسية على «الفيسبوك»، أن اتفاقاً وقع بين روسيا وإسرائيل ينص على «سحب القوات الإيرانية من جنوب سوريا».

طهران رفضت هذه الإعلانات فقال نائب وزير الخارجية الإيراني حسين شيخ الإسلام: «على روسيا عدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية».. لكن كما يبدو فات الأوان على الطلب من روسيا عدم التدخل والتذكير بالسيادة السورية. الاتفاق الروسي – الإسرائيلي تم خلال زيارة أفيغدور ليبرمان إلى موسكو واتصال نتنياهو بالرئيس بوتين. وينص الاتفاق على:

* بقاء نظام الأسد.

* نشر قواته على الحدود في ثلاث نقاط القنيطرة (كاملة)، الحدود مع الأردن وتلة الحارة.

* انسحاب القوات الإيرانية حتى شارع دمشق – السويدا تدريجياً (أي بعيداً حوالى 60 كلم).

وقد تعهدت موسكو بضبط الحدود تحت شعار: «النظام السوري لا يريد الحرب مع إسرائيل. على أن تمتنع الأخيرة عن قصف القوات السورية في حال انزلاق بعض القذائف».

طهران ترى أن الهدف من كل هذه الشروط «إقصاء إيران من ميدان المقاومة». أي تجريدها من «السلاح» الذي يمنحها «شرعية الحضور والانتشار السياسي في محيطها العربي». فماذا عن تواجدها في سوريا وهي التي صرفت المال والدماء؟

حسين شيخ الإسلام والسفير السابق في سوريا قال إن بلاده «لم تقدم الأرواح لجني الأموال»، ومن جهة أخرى قال «إن شركات إيرانية تستحوذ على 50% من مشروعات الكهرباء والمياه فضلاً عن مصافي البترول ومخازن القمح ومصانع سايبا للسيارات». باختصار شديد يريد المسؤول الإيراني التأكيد بأن «حصتها من الاقتصاد السوري مستمرة حتى ولو اضطرت للانسحاب».

يبقى السؤال في وقت يتراجع فيه الوجود الإيراني حكماً من سوريا واليمن مروراً بالعراق: «ما هو مستقبل «حزب الله» في لبنان في هذه الفترة التي لن يكون ختامها غداً قبل بعد الغد؟».

تدرك إيران قبل غيرها، أنه لم يعد سهلاً عليها «المقاومة» كما فعلت في المراحل السابقة. أصبح وجودها مكشوفاً وقدراتها ضعيفة وستزداد ضعفاً في ظل «حرب اقتصادية» مفتوحة ضدها كما أكد المرشد خامنئي. «حزب الله» لن يقفز فوق «التوجيهات الخامنئية» خصوصاً أنها قد تعرض إيران للخطر، عدا انكشاف ظهره كاملاً أمام إسرائيل. لذلك سيكون «حزب الله» مضطراً أكثر فأكثر للعمل على تحصين نفسه بالانخراط بعمق في النسيج السياسي اللبناني وذلك بالاعتدال في مواقفه الداخلية اليوم قبل الغد.

كل هذا في وقت يعود فيه الأسد الابن إلى استكمال دوره الذي أسسه والده في تنفيذ دوره المرسوم «حارساً» لسكون الجولان!