حرب الصواريخ الإيرانية – الإسرائيلية، لن تتطوّر إلى حرب شاملة. إسرائيل وإيران، تصعّدان في تبادل الضغوط عبر سوريا، من دون الانزلاق إلى المواجهة البريّة. في هكذا حرب تبقى الخسائر محدودة، مع إمكانية رفع منسوب التهديدات.. كل صاروخ سيُشكّل «رسالة» مفعولها داخلي وخارجي معاً.

عبر هذه الحرب المضبوطة والمنضبطة، يمكن فتح القنوات للتفاوض المباشر وغير المباشر. الانزلاق نحو مستنقع الدماء، يغيّر المعادلات لأن صمت المدافع لا يتم من دون التوصل إلى بداية حل سياسي منتج.

المؤلم الآن وغداً، أن انتصار إسرائيل وفرض إرادتها يُشكّل كارثة أكبر من كل الكوارث السابقة حتى الآن. يمكن لإسرائيل أن تعيد رسم خريطة المنطقة وهي مطمئنّة إلى موقعها كقوّة إقليمية لا يجسُر أحد على تجاهلها.

أيضاً انتصار إيران سيرفع من منسوب «استئسادها» على العرب قبل إسرائيل. الآن تفرض إرادتها في أربع أو خمس عواصم عربية، فماذا لو ضربت إسرائيل في عقر دارها بحيث يمكنها «بيع» هذه الأحادية ومقايضتها لكل العرب. لو كانت إيران كما يقول خطابها اليومي ضد إسرائيل ومع العرب لكان انتصارها فعلاً بنّاءً للمستقبل لا يمكن إلا الوقوف معه، أما وأنّه يأتي وأربع أو خمس عواصم عربية ممزّقة، فإن الانتصار يرفع من منسوب الخسارة.

مهما كان التوجه الإيراني – الإسرائيلي نحو احتواء الصدام داخل الحدود السورية، هل يمكن فعلاً النجاح في ذلك؟ ما الذي يحول دون تقدم إسرائيل أكثر فأكثر نحو «لَيِّ الذراع» الإيرانية، في وقت توجد فيه دائماً حدود للطلاق بين الخطاب الإيراني والواقع؟ ما يعزز ذلك، ماذا لو استخدم الإسرائيليون سلاح الطيران في وقت لا تملك فيه إيران الوسائل لردع الضربات الجوية؟ إلى أي حدٍّ يمكن لإيران ضبط ردود فعلها على ذل الهزيمة؟

الحرب في سوريا وعبرها، ليست أحادية بين إيران وإسرائيل، في قلبها شبكة من المواقف والمصالح تمتد من واشنطن إلى موسكو، ومعهما أوروبا والصين.

بوابة، هذه الحرب الصاروخية، امتداد لحرب داخلية إيرانية. إلغاء الرئيس دونالد ترامب للاتفاق النووي، منح المرشد آية الله علي خامنئي ومعه «الحرس الثوري» وكل المتشدّدين، قوّة دعم غير مباشرة في مواجهة كل جبهة المعتدلين. الاحتفالات الخطابية الخارجة من الأيام الأولى للثورة رغم الفارق الكبير في الزمان والأحداث، نتاج مباشر من الصراع الأعمق على الخلافة في السلطة.

المرشد خامنئي، وهو على عتبة النهاية مهما طالت الفترة، يريد أن تبقى صورته «قائداً ثورياً في مصاف الإمام الخميني» وأن لا يأتي خليفة له، يلغي إرثه الذي سمح لإيران في التمدد إلى الخارج وفيه، ولو على حساب الشعب الإيراني نفسه. إلى جانبه يقف «الحرس الثوري» الذي تضخم في الزمن الخامنئي حتى أصبح أكبر قوة اقتصادية، بما يعني ذلك من تسلّل للفساد وانتشاره.

الغريب أن إسرائيل تعمل على ضخّ المزيد من التضخيم لدور «الحرس»، من ذلك تأكيدها أنّ قائد «فيلق القدس» الجنرال قاسم سليماني قاد بنفسه الرد الصاروخي ضدّها عبر سوريا، مثل هذا التقويم للجنرال سليماني، يعزّز التوجّه داخل إيران لأن يقفز «العسكر» إلى السلطة. بهذا يتغيّر النظام وتنتهي الثورة، وتبدأ مسيرة جديدة «للعسكر» مع محيطه.

أما إسرائيل، فإن لا شيء يعادل الزعامة الإسرائيلية المتطرفة والعنصرية المُشكّلة من الثنائي بنيامين نتنياهو وليبرمان، مثل هذه الفرصة للإمساك بالسلطة ومحاصرة إيران والانفراد بالمنطقة المثخنة بالجروح. تتحرك إسرائيل وتضرب بحرّية كبيرة. الولايات المتحدة الأميركية، تقف معها كما لم تقف معها منذ إنشائها. البيت الأبيض حمّل «الحرس الثوري» كامل المسؤولية عن تصرّفاته المتهوّرة. وموسكو قدّمت نتنياهو «شريكاً» للقيصر بوتين في احتفالات النصر. إسرائيل تضرب في سوريا بحضانة أميركية ورعاية روسية كاملة.

موسكو، لن تدعم إيران ولن تحميها. ستترك إسرائيل تُضعف إيران في سوريا. إذ كلما خسرت إيران في سوريا، ارتفع رصيد روسيا المستقبلي في هذا البلد، وازدادت حاجة إيران لها، بدلاً من أن تكون شريكة تقاسمها كل شيء في سوريا من النفوذ إلى العقود.

أما الولايات المتحدة الأميركية، حيث نفّذ الرئيس دونالد ترامب وعده بإلغاء الاتفاق النووي، فراكمَ بذلك النقاط بعد المصالحة الكورية – الكورية ومن ثمَّ في المصالحة المُنتظرة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. ترامب يكاد يصبح رئيساً مهماً، رغم ضحالته السياسية. سيتابع ترامب الضغوط على طهران، مهما بالغ الأوروبيون في اعتراضاتهم ومعارضتهم. ترامب يرى أن أفضل الوسائل للربح هي رفع منسوب الضغط للدفع نحو حافة الهاوية. بحيث يجبر خصمه على التراجع أمامه. يريد ترامب الفوز على إيران، ليضرب إرث أوباما.

«حزب الله» يبقى وسط كل هذه «المعمعة»، موضع تساؤلات كثيرة وقلق أكبر. هل يكتفي بِعَد الصواريخ في سوريا، أم ينخرط فيها عبر لبنان ليندفع معه نحو مسؤولية دماره لخدمة إيران – الخامنئية؟

«حزب الله» الذي عمّق موقعه في تكوين السلطة في لبنان، ليس من مصلحته تعريض موقعه اللبناني ومعه كامل جمهوره لخطر خسارة ما بناه طوال عقود. ليس سهلاً أن يعلو صوت العقل لمن يرى وجوده في فوّهة بندقيّته. القرار يبقى معلقاً في طهران أكثر مما هو في بيروت.. وساعة الحقيقة تدقّ بقوّة!