ما قالته إسرائيل عن وقائع ليل الأربعاء – الخميس هو أنها استهدفت «العشرات» من مراكز «فيلق القدس» الإيراني في سوريا، عدا عن مواقع أسدية مباشرة من بينها مخازن أسلحة ورادارات وغيرها.. وما كشفته موسكو هو أن 28 طائرة حربية (إسرائيلية) تولّت القصف وأطلقت 70 صاروخاً..

ومع ذلك، بقي رأس النعامة «الممانع» في الرمل.. وازداد عمقاً وانغراساً! وأخطر دلالات ذلك أن يُعلن نائب رئيس لجنة الأمن القومي في طهران أبو الحسن فضل بيغي أن «لا علاقة» لبلاده بالصواريخ التي ضربت إسرائيل (وعددها عشرون!) «ولو قمنا بذلك لأعلنّاه فوراً»! محمّلاً بقايا السلطة الأسدية المسؤولية عن ذلك "رداً على الاعتداءات".. كذا.

في المقابل، (وأي مقابل؟) قال الرئيس السابق بشار الأسد إنه "يأمل" أن «لا تشهد سوريا أيّ صِدَام بين القوى الكبرى حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة»!

والموقفان كانا بعد ساعات طويلة من تلك الوقائع النارية، الأبرز والأهم: لا توعّدات من أي نوع! ولا تباهياً من أي طراز وخصوصاً ذلك المنسلّ من مدوّنات «الانتصارات» و«الإعجازات»! و«الفتوحات الإلهية»! بل حتى «الإعلام الحربي» بقي صامتاً وكأنّ لا شيء هناك ليبلّغ عنه! ثم «الأطرَفْ» و«الأظرف» من ذلك هو أن الركن الروسي الثالث في المحور «المقاتل» في سوريا، اشتغل مثل وكالة أنباء دولية مهمتها الوحيدة توزيع الأخبار على الملأ، ومن بينها «دعوة الطرفين إلى وقف التصعيد»، والكشف عن اتصالات تجريها موسكو لهذه الغاية «النبيلة»! من دون نسيان «مشاعر القلق» التي لا بد منها!

يعني بوضوح أكثر: إيران لم تتجرأ حتى على الإعلان أنها نفّذت وعدها بالردّ على استهداف مواقعها مباشرة وأكثر من مرّة! بل تنصّلت ورمت الأمر على غيرها! فيما هذا الغير، أي الأسد أعرب عن «أمله» مثله مثل أي «مراقب» يشتغل في الشأن العام، في أندونيسيا أو موزامبيق أو نيوزلندا أو سلوفينيا، في أن لا يحصل «صِدَام بين القوى الكبرى» في سوريا! وكأنّه من حيث لا يدري أكد صيرورته خيال صحراء لا حول له ولا قوّة ولا قرار ولا رأي، عدا عن رغبته الأكيدة في التنصّل من المسؤولية التي رمَتْها عليه إيران! وردّ «التهمة» باستهداف إسرائيل، إليها! مع جائزة ترضية من خلال اعتبارها واحدة من «القوى الكبرى» التي أشار إليها في تصريحه الفصيح!

طبعاً الخطب جلل! والجماعة «الممانعة» تجد نفسها في ربع الساعة الأخير من إتمام «انتصارها» على شعب سوريا، ولا تريد لأي شيء أن يفسد عليها نشوة ذلك «الانتصار»! لكنها في ذلك تنكشف أكثر فأكثر أمام الإسرائيليين. وتُظهر نقاط ضعف تُضاف إلى تلك المتّصلة بحقيقة أنّ «حليفها» الروسي صاحب «السوخوي» وصواريخ «أس – 400» غير معني سوى بأجندته الخاصة! وهذه، كما هو معروف (مجدداً أعزائي المشاهدين) تضع العلاقة مع إسرائيل فوق وقبل العلاقة مع الإيرانيين والأسديين من دون أي شك أو تشكيك أو تهريج وتفنيص ولغوٍ صبياني بدحر «الأحادية» الأميركية.. إلخ.

ما تقوله إسرائيل (وتنفّذه) هو أنها «لن تسمح لإيران» بالتمركز في سوريا. وتؤكد أنّها «ستستمر» في العمل لمنع ذلك، وتستند على دعم أميركي و«موافقة» روسية، أو غضّ نظر! أو رضى مكبوت! سمِّهِ ما شئت! وهذا في العموم، يعني أنّ ما حصل ليل الأربعاء – الخميس هو معركة في حرب مفتوحة.. وربما لا تكون طويلة المدى!

وإن أخطر ما في هذه المعركة، هو وقوعها خلال وجود نتنياهو في موسكو.. وكأنّه يُقفل سلفاً أبواب «الضمانات» والوساطات والصفقات والتسويات.. (والله أعلم)!

علي نون