تقصف إسرائيل مواقع المحور الإيراني – الأسدي في سوريا، فيردّ هذا عليها بتكثيف الفتك بالسوريين وإكمال الحرب عليهم. وتقصف الولايات المتحدة إيران بالموقف المنسحب من «الاتفاق النووي»، فتردّ هذه عليها بتكثيف الاعتداء على المملكة العربية السعودية من خلال أدواتها الحوثية الانقلابية في اليمن!

وهذه هوامش على المتن. وهذا قال ويقول إن الأعداء في سوريا هم أهل سوريا وليسوا الإسرائيليين، أو «الجماعات التكفيرية والإرهابية»! وإنّ الأعداء في المدار الإقليمي الأوسع هم العرب والأكثرية الإسلامية وليسوا الأميركيين ولا الغربيين في الإجمال. وإنه في سياق ذلك، جرت على مدى المرحلة الماضية، وخصوصاً تلك التي تميّزت بوجود السيّئ الذكر باراك أوباما في البيت الأبيض، دماء كثيرة وكوارث أكثر وبلايا موصوفة ورزايا عظيمة، أكدت تلك الخلاصة الكئيبة، ورسّختها وضَمنت مركزيّتها وفرادتها في سيرورة التاريخ العربي والإسلامي العام.

والمبدأ ثابت برغم تحوّل هوية صاحب القرار في البيت الأبيض.. بحيث أن مهادنة الإسرائيليين والأميركيين، لم تتأثر بتقلّب السياسات والقرارات على يد دونالد ترامب، بل الذي حصل ويحصل إزاء القرار النووي شبيه تماماً بالذي حصل ويحصل إزاء الغارات الجوية الإسرائيلية: بدلاً من الانسحاب من الاتفاق على ما قِيل سابقاً يتمّ الإعلان عن التمسّك به مع أطرافه الأخرى! وبدلاً من جبه «الاعتداءات الصهيونية» المتكرّرة والمؤلمة يُصار الى تثبيت سياسة النعامة والتطنيش.. والذهاب الى الجهة الأخرى لإعادة «تذكير» من يعنيهم الأمر، بأنّ المعركة «هنا»، في الإطار العربي والإسلامي، وليست «هناك»! وإن الأولويات المقلوبة هذه جرى تأكيدها على مدى السنوات الماضية! ويجري راهناً تأكيدها أكثر! وصواريخ الحوثيين على السعودية يُفترض أن تُوصل الرسالة الأولى. وأن تدفع بـ«الشيطان الأكبر» وأخيه «الشيطان الأصغر» الى إعادة حساباتهما! والتيقّن من سقوط توصيفهما ذاك من الوجدان الفكري والسياسي مرحلياً واستراتيجياً عند أصحاب القرار في طهران ودمشق سواء بسواء!

لا صوت يعلو فوق صوت الفتنة المنهجية. وتثبيت النفوذ المحوري. وتوسّل أي طريقة وأي حليف في سبيل ذلك. ولا بأس هنا، أن يأتي الروسي ويأخذ ما يشاء ويريد. ويأتي التركي ويحفظ مصالحه. ويأتي الأميركي ويأخذ قطعة تناسبه. ويأتي الإسرائيلي ويأخذ ضمانات خاصة بأمنه الحدودي.. المهم أن لا يأخذ العربي السوري صاحب الحق والأرض والتاريخ والجغرافيا أي شيء! بل أن يدفع كل الأثمان! ولا بأس أن تُفتح الأبواب طولاً وعرضاً وصفقات وحسابات ومصالح متبادلة، مع الأوروبيين واليابانيين والصينيين والروس والأميركيين (قبل ترامب) في مقابل غلقها وإحكام ذلك الغلق مع الجوار الجغرافي العربي، وأخوة الدين في الإطار الإسلامي العام.. وأن تبقى السعودية في مرمى الاستهداف والاستنزاف طالما أنها السدّ المنيع في وجه طموحات أهل المشروع الامبراطوري الإيراني! وطالما أنها أساس العروبة والإسلام! وطالما أنّها الخيمة الحانية التي تقي العرب والمسلمين من إشعاعات «التثوير» و«التنوير» الإيرانية!

المشكلة عند صاحب الشأن الإيراني هي أنّه يرتكب الخطأ ولا يعتذر! ويرتكب الخطيئة ولا يستغفر! ويجرّب ويفشل ولا يُعيد النظر في حساباته! وهذه دائماً أكبر من واقعه وإمكاناته. وأكثر تعقيداً من يقينياته وبديهياته.. شاطر في التكتكة وكسول في الاستراتيجيا. افترض أن أوباما باقٍ الى الأبد! وأن العرب لا يقاتلون! وأن الفتنة باتجاه واحد! وأن الاستثمار فيها مُجْزٍ ومُربح و«شرعي»! خابت افتراضاته لكنّه يبقى «ثابتاً» عندها!

علي نون