بالكاد أنزل الشتاء أمطاره الخجولة لهذا العام، مخلفاً العطش في التربة وفي الآبار وفي صحة الإنسان المهددة بالأوبئة وبالنقص في المحصول الزراعي. فماذا عن معدل متساقطات هذا العام، وهل فعلاً بقيت دون سواها من الأعوام الماضية؟

يوضح رئيس مصلحة الأرصاد الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي مارك وهيبة، أن المتساقطات بلغت لحد اليوم في بيروت ومحيطها 440 مليمتراً، بينما المعدل العام يتخطى في العادة 750 مليمتراً. وكذلك هو الحال على طول مدن الساحل. ففي طرابلس مثلاً، سجلت المتساقطات معدل 600 مليمتر بينما كانت تلامس عتبة الـ750 مليمتراً في السنوات السابقة. أما في البقاع فسجلت 350 مليمتراً مقارنة بأكثر من 570 ملميتراً في السابق. ويضيف وهيبة «ثمة فوارق صارخة تحسب بالمئات وليس بالعشرات من المليمترات، والأشد خطورة في هذا السياق موضوع الثلوج. فهي التي تساعدنا على تخزين ما نحتاجه في الآبار الجوفية، وهي هذا العام أقل من معدلاتها». فالذوبان البطيء يمكن الطبقات الأرضية والبرك الجوفية من تخزين المياه وهو ما يشكل مخزون أشهر الصيف.

ويتوقع وهيبة أن يؤثر هذا العامل على الزراعة، إذ باشر المزارعون في عدة مناطق بري مزروعاتهم واستهلاك ما يحتاجونه من المخزون، مرجحاً ظهور حاجة للمياه خلال الصيف للاستعمال المنزلي وهو ما سيرتب على كاهل المواطن أعباء إضافية. ويؤكد أن شح الأمطار ظاهرة مرت على لبنان منذ سنوات طويلة، أبرزها كان في شتاء ١٩٥٣ وحتى ١٩٦١، ثم في عامي ١٩٨٤ و١٩٨٥. فخلال هذه الأعوام المتعاقبة، كان هطول الأمطار دون المستوى الطبيعي وبالإجمال لم يتعدّ معدل المتساقطات عتبة الـ 500 مليمتر. إلا أن عدد السكان لم يكن كما هو اليوم. ويختم: «إننا نشهد منذ ثلاثة أعوام شحاً في المتساقطات تتواصل عاماً بعد عام».

ويركز رئيس فرع الري والأرصاد الجوية في مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية إيهاب جمعة، من جهته، على تكبد المزارعين أكلافاً اضافية نتيجة شح المطر هذا العام والعامين المنصرمين، لافتاً إلى أن الموسم المطري سجل معدل متساقطات بنسبة 290 مليمتراً بحسب تل عمارة، بينما كانت النسبة تتخطى الـ600 سابقاً، ويترافق ذلك مع ازدياد استهلاك المياه نتيجة الازدياد السكاني واستقبال لبنان لإعداد كبيرة من اللاجئين، ما يزيد الحاجة للمياه.

ووفقاً لوزارة الزراعة، «فإن ثلث الأراضي اللبنانية صالحة للزراعة، وتقارب المزروعة منها الـ250 ألف هكتار موزعة على المحافظات، ومنها مساحات كبيرة تقارب الـ120 ألف هكتار تتضمن زراعات مروية بعضها يعتمد بالكامل على الري والبعض الآخر يعتمد الري كوسيلة مكملة غير أساسية، فيما يستغني بعض الزراعات عن الري كالشعير مثلاً».

هذا العام، ونتيجة لشح المتساقطات يضطر المزارعون للمباشرة بالري في بداية الربيع، وهو امر لم يكن وارداً في مثل هذه الفترة من السنة بل لم يكن مطروحاً قبل حلول موسم الصيف. وكمثال على ذلك تحدث جمعة عن بعض مزارعي القمح مثلاً الذين لجأوا للري مرتين حتى اليوم وسيضطرون لذلك مجدداً إلى حين الحصاد إذا ما استمر الطقس كما هو عليه الآن، الأمر الذي يزيد في قيمة الكلفة على المزارع.

ويوضح بأن المشكلة ليست فقط في شح المتساقطات، وإنما بتوزعها. فالمطر ينهمر ليومين ثم يتوقف بفاصل عدة أيام وهذا يطرح ضرورة الري للأراضي المزروعة، علماً أن ثمة مزارعين كمزارعي البطاطا مثلاً الذين اضطر بعضهم إلى اتلاف الزرع قبل الموسم واللجوء إلى زراعات أخرى أقل حاجة للمياه بسبب عدم وجود كميات وافرة، مشيراً إلى أن المياه الجوفية كانت تتواجد على عمق 60 متراً في بعض المواقع أما اليوم فلا بد من الوصول إلى عمق يزيد على الستمائة متر للوصول إلى المياه الجوفية، ما يدل على انخفاض المخزون.

ويلفت جمعة إلى أن الدولة تساعد من خلال المشروع الأخضر في حفر برك تزود الاراضي الزراعية ببعض مما تحتاجه من المياه، إلا أن ذلك لا يوفر كل ما تحتاجه الزراعة، ولهذا يلجأ بعض المزارعين لري محاصيلهم بمياه تختلط بمياه غير نظيفة في أحيان كثيرة لحاجتهم لانقاذ محاصيلهم في غياب الخطط الوطنية البديلة، مؤكداً بأن الأمر بحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لحل مشكلة شح المطر، وأن المبادرات التي تتركز على إنشاء محطات تكرير على مصادر المياه في بعض المناطق لا توفر الحلول الكاملة للمشكلة. ويختم بالتأكيد أن الانتاج الزراعي يعاني منذ سنوات والمزارع يصارع للحفاظ على رزقه والكلفة التي يتكبدها لطرح محصوله في السوق تتخطى المنطق، ما يطرح الحاجة لخطط وطنية لمعالجة هذا الأمر.

ويؤكد خبراء الأرصاد الجوية أن مناخ لبنان يتبدل. فهو كان أكثر اعتدالاً في السابق، ويحسب هؤلاء، السنوات المطرية من أول تموز ولغاية أول أيلول من العام الذي يليه، وفي السابق كانت المتساقطات كافية لتأمين مخزون من المياه الجوفية لتزويد المواطنين عامة والمزارعين بشكل خاص بحاجاتهم طوال السبعة اشهر التي تنحسر فيها الأمطار بشكل تام، أما اليوم فإن التغير المناخي يتجه بدول كثيرة ومنها لبنان صوب التصحر وهو ما يثير القلق حول كيفية تأمين المياه الكافية خصوصاً في فصل الصيف.

ومن هنا تطرح على بساط البحث إمكانية وجود حلول تساعد المواطن في برمجة مصاريفه بشكل أفضل، حيث تفيد مؤشرات الإنفاق إلى أن اللبناني يصرف حوالي نصف مدخوله السنوي لفواتير الماء والكهرباء والمولدات تضاف إليها الخزانات التي يضطر لشرائها في فترة الشح، وهو ما يحمّله عبئاً إضافياً. ومن هنا تبرز أهمية وجود حلول لتوفير المياه والحد من هدرها وذلك من خلال زيادة عدد البرك الزراعية الاصطناعية لسد بعض حاجات المزارعين، إضافة إلى ترشيد استخدام المياه ووقف الهدر، ومعالجة المياه المبتذلة وزيادة المساحات الخضراء والحفاظ على التنوع البيولوجي الذي يساعد في حماية البيئة اضافة إلى تشجيع حملات التشجير واعتماد زراعات مقاومة للجفاف.

ويبقى كل هذا برسم الجهات المعنية التي وإن كانت لم تبخل في العمل لوضع حلول، إلا أن واقع الحال يبيّن أن ما نحتاجه هو مضاعفة الجهود وتضافرها بين الجهات المعنية كافة للحفاظ على ثروتنا المائية قبل فوات الأوان.