من مفارقات قانون الانتخابات الحالي أنّ أبرز الجهات التي دفعت باتجاه اعتماده تخالف فكرته والغاية المبدئية منه لجهة اعتماد النظام الانتخابي النسبي لا الأكثري. أبلغ دليل على هذه المخالفة كلام الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله في مهرجان لائحتي بعلبك الهرمل وزحلة أول من أمس.

فنصرالله الذي كان حزبه أشدّ المطالبين باعتماد النظام النسبي في قانون الانتخابات، لا بل وضع اعتمادها شرطاً مسبقاً لأي نقاش بشأن قانون جديد، وفق معادلة إمّا النسبية أو لا قانون انتخابات جديداً، يذهب اليوم باتهام خصومه في السياسة والإنتخابات إلى ما لا يتّهم به سوى أعداء لبنان، وذلك بقوله، في خطابه المذكور، إنّ تيار «المستقبل» و«القوات اللبنانية» كانا على صلة بالمجموعات الإرهابية في الجرود وبأنهما تآمرا معها ضدّ أهل البقاع، أهلهم!

فإذا كان رفع الأفرقاء السياسيين لسقف خطابهم الإنتخابي والسياسي من عادات أي انتخابات، فإنّ اتهام نصرالله لخصومه في الإنتخابات بدعم الجماعات الإرهابية، ينسف مبدأ النظام الانتخابي النسبي، الذي من المفترض أن تكون غايته إفساح المجال لتمثيل أكبر شريحة من التوجّهات السيّاسية والإنتخابية.

والحال هذه، كيف يكون السيّد نصرالله حريصاً على أحسن تمثيل سياسي عبر اعتماد النظام النسبي في قانون الانتخابات على ما دأب على القول قبل إقرار القانون الجديد وبعده، وفي الوقت نفسه ينبري إلى اتهام المكونات السياسية للائحة المنافسة للائحة حزبه في دائرة بعلبك – الهرمل بدعم الإرهاب. أي أنّه يذهب في شيطنة خصومه عشية الإنتخابات إلى حدّها الأقصى، إلى الحد الذي لا يسمح، من حيث المبدأ، بممارسة الديموقراطية والعمل السياسي لمجرّد رمي الخصوم السياسيين بتهمة دعم أعداء لبنان.

فأي نسبية هذه التي يدعو إليها السيد حسن طالما هو مستعد في أي لحظة أن يتجاوز في وصف خصومه، الذين يفترض أن تضمن النسبية مشاركتهم في تمثيل منطقتهم، حدود السياسة والديموقراطية؟ فيغدو، في قاموسه السياسي، التصويت لخصوم حزبه تصويتاً للجماعات الإرهابية. وهو أمر ينسف، بأقلّ تقدير، فكرة «التمثيل الصحيح»، إذ ينفي عن الخصوم هؤلاء الأهلية السياسيّة والأخلاقية للمشاركة في تمثيل منطقتهم. أي بكلام آخر، إنه يقول للناخبين في بعلبك – الهرمل، أنّ حزبه هو الوحيد «الوطني» أمّا البقية فخونة وغير وطنيين، وعليه فإن النظام الانتخابي النسبي، يجب ألاّ يؤدي وظيفته في هذه الدائرة.

وبالتالي إذا كانت هذه قناعات نصرالله و«حزب الله» فعلاً، فقد كان حريّاً به ألّا يدعو أساساً إلى اعتماد النظام النسبي في قانون الإنتخابات حرصاً على أوسع تمثيل سياسي في البرلمان المقبل. أمّا وقد دأب على العمل لاعتمادها ولم يبرح يمدحها فالأَولى به، إنسجاماً مع نفسه، أن يلتزم أصول المنافسة السياسية والإنتخابية، فلا يذهب إلى محاولة نزع الشرعية السياسية والأخلاقية عن خصومه. فساعتذاك تُعدَم السياسة، ويسقط المنطق السياسي والأخلاقي للمعركة الإنتخابية، فينتقل الخصم تلقائياً من خصومة اللائحة الانتخابية إلى العداء للوطن وأهله.

وهذا أمرٌ لا شكّ له تبعات سياسية وأخلاقية خطيرة، ليس على المعركة الإنتخابية في الدائرة المقصودة في خطاب نصرالله، بل على الحياة السياسية في لبنان. فإدراج منطق التخوين من جديد في اللعبة السياسية لهو عودة صريحة إلى ما قبل «منطق التسوية»، أي إلى ما قبل «منطق النسبية» الذي يفترض أن يكون قائماً على منطق الاعتراف بالأهلية السياسية والأخلاقية والوطنية لكل القوى والشخصيات السياسية التي تعمل في السياسة اللبنانية..

هذا فضلاً عن أنّ كلام نصرالله هذا وإن كان الهدف المباشر منه شدّ عصب مؤيديه للمعركة الانتخابية إلّا أنّه ليس بلا ارتدادات سلبية على «حزب الله» نفسه.. فربّ سائل من «بيئة الحزب» يسأل قيادة الحزب وأمينه العام شرح التناقض بين كون «القوات» و«المستقبل» داعمين للإرهابيين كما يتهمهما نصرالله، وبين كونهما شركاء «حزب الله» في الحكومة و«التسوية»؟ لا سيّما وأنّ الشرط الشارط للتسوية التي سمحت بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإقرار قانون للإنتخابات، كان تجاوز لغة التخوين التي سادت اللعبة السياسية منذ العام 2005، وقبل ذلك في فترات عديدة عندما كان يسقط المنطق السياسي وتجنح اللعبة السياسية نحو العنف و/أو الشعبوية!