بالرغم من مرور 13 عاماً على جلاء الجيش السوري عن لبنان، إلا أن هذا الجلاء وما خلّفه في المشهد السياسي والحياة العامة، والآمال التي عقدت عليه والخيبات أو الإخفاقات في الخروج من رواسب «الوصاية» و«ثقافتها»، كلها أمور لا تزال تحتمل الكثير من المعاينة والتحليل.

وإذا كان السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو عمّا تغيّر بعد زوال الوصاية السورية عن لبنان؟ إلا أنّ العودة إلى لحظة انسحاب «الجيش العربي السوري» من لبنان وانقساماتها العميقة في الداخل اللبناني تدفع إلى السؤال عمّا إذا كان ممكناً توقع «التغيير» بمجرّد إنجاز هذا الإنسحاب؟

فوجود القوات السورية في لبنان لم يكن يوماً مستقلاً عن سياق لبناني يضفي عليه مشروعية، ويرفده بأسباب الاستمرار ولو على حساب الحد الأدنى من الوحدة الكيانية اللبنانية. بمعنى أن «الوجود السوري» كان دائماً يستفيد من الانقسامات اللبنانية فيغذيها ويلعب بها تبعاً لمصالحه ووفقاً للدور الذي يريد القيام به استعطاءً لاعتراف دولي، أو طلباً لاستدامته. وبالتالي كانت استراتيجيته ترواح بين حدّين متحركين وفقاً للمرحلة السياسية ومتطلباتها: الأول ضمان ولاء «جماعة» لبنانية له بصورة مستمرة وإن تبدّلت هذه «الجماعة» أو بعض مكوناتها بحسب المراحل، والثاني ضمان القدرة على تقديم نفسه بوصفه الوحيد القادر على إدارة اللعبة اللبنانية ومنع انفجارها أو السيطرة عليها متى انفجرت او اهتزت.

وإذا كانت «الجماعات» اللبنانية جميعها تقريباً تقلّبت بين الولاء للوجود السوري والعداء له، فإنّ نظام البعث في سوريا حسم هذا التقلّب إلى حد كبير بعد انتهاء الحرب وتمكنه من نيل او انتزاع اعتراف دولي وإقليمي بوجوده ودوره في لبنان، فباتت له «جماعة» لا بل «عائلة سياسية» لبنانية ترى ما يراه ويرى ما تراه. وعليه لا عجب إن حافظت هذه الجماعة على روابطها العضوية مع النظام البعثي في سوريا حتى بعد خروج قواته من لبنان. حتى أنها طوّرت هذه الروابط وفق مقتضيات الواقع السياسي، وقد ذهب الطرف الأساسي فيها أي «حزب الله» إلى سوريا للقتال إلى جانب قوات النظام ضدّ خصومه هناك. ومن لم يذهب منها إلى هناك ناصر حليفه السوري سياسياً وإعلامياً من هنا وحيث تسنى له ذلك في أصقاع الأرض.

وبالتالي كان السؤال الأساسي منذ لحظة انسحاب القوات السورية من لبنان، كيف يمكن تثمير هذا الإنسحاب والاستفادة منه في ظل هذا التداخل والترابط العميق والعضوي بين قوى لبنانية مؤثرة في اللعبة السياسية والواقع الأمني في البلد وبين نظام البعث في سوريا؟ وهذا السؤال لم يفقد راهنيته للحظة منذ الخروج السوري من لبنان. وإن كان التداخل اللبناني ـ السوري قد أخذ أشكالاً مختلفة خصوصاً بعد اندلاع الحرب في سوريا.

لقد كان شرط الإفادة من جلاء الجيش السوري عن لبنان طيلة السنوات الست التي تلت هذا الجلاء (2005-2011) هو القدرة السياسية على تجاوز مرحلة الوصاية ومناخها والتأسيس لقواعد جديدة للعبة السياسية ضابطة بالحد الأقصى الممكن لمنطق الاستقواء بالسلاح الذي بلغ أقصاه في محاولة لتقليص القدرة على الإفادة من خروج القوات السورية إلى أدنى حدّ ممكن. أي بكلام آخر كان الرهان طيلة تلك الفترة على تقليص التداخل السوري في الواقع اللبناني.

أمّا بعد اندلاع الحرب في سوريا في العام 2011 فقد أصبح شرط استئناف بناء «مناخ» ما بعد الوصاية تقليص التداخل اللبناني في سوريا، لجهة وجود قوات «حزب الله» هناك. ولا شك أنّ هذا التداخل بنمطه الجديد بعد بدء الحرب السورية ليس بلا تأثير سياسي سلبي في الداخل اللبناني، إذ يجعل أي عملية سياسية لتثبيت استقرار سياسي وأمني في البلد عرضة في أي لحظة لاهتزازات على خلفية الانقسام الأهلي والسياسي حول الحرب في سوريا وامتداداتها الإقليمية والدولية. ولا يخفى أن جذور هذا الانقسام حول الحرب في سوريا تمتد إلى حد بعيد إلى الانقسام الذي تلا خروج القوات السورية من لبنان.

والحال هذه لا عجب أن يكون أحد الاستفتاءات في الإنتخابات المقبلة على الموقف من التداخل اللبناني ـ السوري بالمعنى المستمد من حقبة الوصاية وما بعدها. وهو ما عبّر عنه أحد نواب «حزب الله» بقوله إن الانتخابات المرتقبة هي بين «نهجين». وهذا ما يمكن تأويله على أنّ هذه الانتخابات، إمّا تعزز القدرة السياسية على تجاوز «مناخ» الوصاية السورية في السياسة والحياة العامة من حيث توافر إمكانات أكبر لايجاد مساحات مشتركة بين اللبنانيين، وإما تقلّص هذه القدرة بحيث يصبح لبنان عرضة أكثر من ذي قبل لمنطق الإستقواء والإلغاء على النحو الذي ساد زمن الوصاية!