لم يعد "الصراع" أو التنافس الإنتخابي ضمن مناطق محددة في لبنان، ينطوي فقط على خطابات تصعيدية من شأنها تأجيج الحماسة لدى الناخب بهدف التصويت أو على بيانات ولقاءات، تكشف أخطاء هذا الفريق أو ذاك، ولا حتّى على تمزيق صورة ناخب من هنا أو حرق يافطة أو سيارة في أسوأ الأحوال كما جرت العادة خلال الفترات السابقة، بل أن الأمر وصل اليوم إلى حد الإعتداء على المرشح نفسه وضربه على باب منزله وأمام أعين الناس وصولاً إلى محاولة قتله ربما وذلك ضمن سياق "التكليفات" التي أمتهنتها بعض الأحزاب وخصوصاً في الأمور التي تهدد وجودهم السياسي قبل العسكري.

الصحافي علي الأمين المرشح ضمن لائحة "شبعنا حكي" المنافسة للائحة "الأمل والوفاء" في دائرة الجنوب الثالثة (النبطية، بنت جبيل، حاصبيا – شبعا)، كان بالأمس ضحية لهذه الإعتداءات من خلال تعرضه للضرب المُبرح مع مجموعة من الشبان أثناء تعليقهم صوراً ويافطات إنتخابية للائحة "شبعنا حكي" في بلدته شقرا الجنوبية وذلك بعدما تهجم عليهم أكثر من 40 شاباً ينتمون إلى "حزب الله"، في ما يُشبه "الكمين" الميليشيوي المطبق، مما أدى إلى نقل بعض منهم إلى مستشفى تبنين الحكومي بينهم الأمين الذي تعرض لكسر في أسنانه وشج رأسه بآلة حادة إضافة إلى رضوض في أنحاء من جسمه. وقد تواصلت "المستقبل" مع أحد الأطباء الذين يُعالجون الأمين، فأوضح أن حالة الأخير مستقرة حالياً وبأنه بدأ يتعافى، مؤكداً أن الأمين كان بحالة صعبة أثناء وصوله إلى المستشفى اليوم (أمس).

بدوره يقول الأمين لـ "المستقبل": " إن حالات الإعتداء ضد لائحة "شبعنا حكي"، لم تبدأ بهذا التهجم الهمجي الذي يدل على مدى إرتباك "حزب الله" السياسي والإحراج الذي نمثله له سواء نحن أو غيرنا داخل بيئته وبين جمهوره. هذه الهمجية بدأت بتمزيق الصور وإحراق اليافطات الإنتخابية التابعة لنا وصولاً إلى حد التهديدات سواء المباشرة أو غير المباشرة، لكن طبعاً وبما أننا في بلد تحكمه القوانين، لم نكن نتوقع أن يصل هذا الفريق إلى درجة لا يعود يحتمل فيها وجود طرف منافس له في السياسة". وأكثر من ذلك، فقد لمس "حزب الله" حجم الجدية التي يتمتع بها المرشحون على لائحة "شبعنا حكي" وان الترشح بحد ذاته، جاء بقرار وطني جنوبي، الهدف منه رفض الأمر الواقع المفروض على أهالي الجنوب منذ عشرات السنين وبالتالي سعينا إلى تكريس حالة صحية بين الناس، وفعلاً فقد بدأنا نلمس حجم التأييد الشعبي، وما كان مرفوضاً ومُحرّماً بالأمس، أصبح اليوم مطروحاً للنقاش وللأخذ والرد، حتّى في المسائل التي كان "يُحرّم" الحزب، التطرق اليها أو حتّى المرور عليها".

ويُضيف الأمين: "منذ أيّام ولدى التعرّض لصور مُرشحين على لائحة "شبعنا حكي" في العديد من القرى وتحديداً في بنت جبيل، اعتبرنا أن هذا التصرف قد لا يكون حصل بقرار حزبي ووضعناه برسم المعنيين. كما تمنينا على القوى الحزبية في المنطقة أن تكون متشدّدة تجاه الأفراد الذين يقومون بمثل هذه التصرفات، ولعدم وجود أدلة واضحة في حينه، لم نذهب لا إلى لعبة توجيه أصابع الإتهام إلى أي جهة، ولا حتّى استغلينا الحادثة لأسباب إنتخابية. لكن بعد الذي تعرضنا له بالأمس، أصبح واضحاً لنا وللجميع، من هي الجهة التي تقف وراء كل هذه الإعتداءات، وعلى "حزب الله" تحديداً الذي نُحمّله مسؤولية ما جرى، أن يتنازل ويتواضع، وأن يعترف بأن الساحة تتسع للجميع وأنه لا مجال بعد اليوم، لقمع الناس واسكاتها ولو عبر الطرق التي يبرع فيها".

وإذ أكد أن "المعتدين حطموا سيارتهم وأجهزة هواتفهم وانتزعوا منهم صوراً ولافتات"، وصف ما حصل بأنه "شكل من أشكال سطوة قوى الأمر الواقع"، متّهماً "عناصر حزب الله بهذا الاعتداء، بغية تعطيل العملية الانتخابية لمنع مساحة الحرية المتاحة لكل مرشح منافس أو معارض"، واضعاً ذلك "برسم هيئة الاشراف على الانتخابات وبرسم رئيس الجمهورية باعتباره حامي الدستور".

يذهب "حزب الله" اليوم في سياسته الإنتخابية، إلى استخدام أساليب، لا تُعبّر عن روح الديموقراطية التي يُفترض أن تسود هذه المرحلة، ومعها يبدو أن إسكات الصوت الآخر على طريقة التعرض له جسديّاً وقمع الحريّات ونعت الآخرين بأبشع التوصيفات والوصول إلى حد إتهامهم، بـ "العمالة" أو "بـ "شيعة السفارات" أو حتّى "خونة"، هو المسار الذي سوف يسلكه الحزب خلال الأيّام المتبقية من عمر الإنتخابات. وعليه، يتوقع خصوم الحزب في العديد من القرى الجنوبية والبقاعية، أن يلجأ في الأيّام المقبلة إلى اعتماد سياسة التهويل والتخويف بحق اللوائح الأخرى، من أجل إدخال الرعب إلى قلوب الناس وبالتالي منعهم من التوجه إلى صناديق الاقتراع، خوفاً من النتائج المُعاكسة لإرادته، والتي يتوقع حصولها أصلاً في بعض الدوائر.

وعلى قاعدة الخوف والتهويل، أشار المرشح ضمن لائحة "شبعنا حكي" أحمد اسماعيل (مقاوم سابق وسجين لدى اسرائيل) لـ "المستقبل" إلى أن ما تعرّض له الأمين، هو برسم الدولة وبرسم هيئة الإشراف على الإنتخابات، وكل الجهات المعنية بالشأن الإنتخابي وتحديداً وزارة الداخلية"، مؤكداً أن "ثمة حالة متجددة في الجنوب، بدأت تشعر بحجم الثقل الذي يُرخيه "حزب الله" عليها، وبدأت تتذمّر من العديد من التصرفات التي تنتج عن عناصره في القرى. وهذا يبرز بشكل جلي، خلال لقاءاتنا مع الناس". أضاف: "بصراحة، بعض الناس قد لا يحبوننا أو لا يتعاطفون معنا في السياسة، لكنهم يؤكدون لنا أن ما نطرحه صحيحاً وأن السياسة التي ينتهجها "حزب الله"، لا بد أن تخضع للنقاش وخصوصاً الشق المتعلق بالحرب في سوريا وصولاً إلى خلقه حالات استعداء للبنان".

وتوجه إسماعيل إلى "حزب الله" بالقول: "هذه المرة اسمحلنا فيها يا سيد حسن نصرالله بعد أن طفح الكيل. نحن مقاومون وطنيون لا انتماء لنا طائفياً ولا دينياً ولا محرك من وراء الحدود، فقط كان المحرك ردة فعل على احتلال وظلمه لشعبنا. نحن لم نقاوم لأجل نائب أو لأجل سلطة ولا لأجل وظيفة هنا أو هناك، ولا لأجل أن ندخل ونتكيف مع الفساد ولنرفع شأن الفاسدين ونتحالف معهم ونؤمن لهم النيابة. نحن قاومنا من أجل عدم الهيمنة على إدارة الدولة بقرارها في السلم والحرب. نحن قاومنا حتى لا نهيمن ونسيطر وتتغير عاداتنا وحتى لا يبقى الحزن وحده يلفنا ويصبح الفرح عملاً مكروهاً والمسرح والفن عملاً شيطانياً والموسيقى كفراً. نحن قاومنا ليس من أجل سيطرة سطوة رجال الدين ولا لكي يصبح كل شيء حراماً، فيما الحلال فقط السرقة وانتشار الجريمة، وفيما أيضاً يمنع على القضاء معاقبتهم لأنهم محميون حتى من المقاومة".