اتهمت الإدارة الأميركية، أمس، روسيا بمنع المفتشين الدوليين من الوصول إلى موقع جريمة الغاز السام في مدينة دوما، والعبث بالأدلة على الأرض، وذلك في وقت تستعد واشنطن أيضاً لزيادة الضغط على موسكو، بفرض عقوبات اقتصادية جديدة، فيما هدد وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات مُشابهة.

ونفت موسكو على الفور الاتهام، وألقت باللوم في التأخير على الضربات الصاروخية التي قادتها الولايات المتحدة ضد سوريا مطلع الأسبوع رداً على الهجوم.

وأعلن البيت الأبيض أمس، أنه يدرس فرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب دعمها برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، لكن مسؤولين قالوا إن القرار لم يُتخذ بعد.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز للصحافيين «ندرس فرض عقوبات جديدة على روسيا وسيتم اتخاذ قرار في المستقبل القريب».

وبدا أن هذا التصريح يشير إلى التريث في اتخاذ تدابير اقتصادية جديدة، إذ قالت «نحن نجري تقويماً لكن ليس هناك ما يمكن إعلانه الآن».

وكانت مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي قالت أول من أمس، إن وزير الخزانة ستيف منوتشين سيُعلن عن عقوبات جديدة ستستهدف شركات زودت دمشق معدات ومواد أخرى على صلة بالأسلحة الكيميائية المُستخدمة في الهجوم المفترض على دوما في 7 نيسان الجاري.

وقالت هايلي إنه «مع الإجراءات السياسية والديبلوماسية التي نحن بصدد اتخاذها الآن، أردنا أن تعرف صديقتاهم إيران وروسيا أننا جديون وأنهما ستشعران بالألم جراء هذا بالمثل».

وناقشت واشنطن مع حلفائها الأوروبيين فرض حزمة من العقوبات قبل ضرب أهداف في سوريا، وقيل إن العقوبات الأميركية ستُعلن أولاً إذ يحتاج الأوروبيون لإجماع.

وكان مفتشون من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية انتقلوا إلى سوريا الأسبوع الماضي، لتفقد الموقع المستهدف بالغاز في دوما، لكنهم لم يتمكنوا مجدداً من دخول المدينة التي أصبحت تحت سيطرة قوات النظام السوري بعدما انسحب مقاتلو المعارضة منها.

وقال السفير الأميركي لدى المنظمة كينيث وورد خلال اجتماع في لاهاي أمس، «ما فهمناه هو أن الروس ربما زاروا موقع الهجوم. نخشى أن يكونوا ربما عبثوا به بنية إحباط جهود بعثة تقصي الحقائق التابعة للمنظمة لإجراء تحقيق فعال».

ونفى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي.ٍ سي) عبث موسكو بالأدلة قائلاً: «أؤكد أن روسيا لم تُفسد الموقع».

بدوره، اتهم وفد بريطانيا في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، روسيا والنظام السوري بمنع المفتشين من الوصول إلى دوما. وجاء في بيان عن الوفد البريطاني أن «إمكانية الدخول من دون قيود ضرورية.. على روسيا والنظام في سوريا التعاون».

وقال السفير البريطاني لدى المنظمة بيتر ويلسون في مؤتمر صحافي في لاهاي، إن «الأمم المتحدة سمحت للمفتشين بالذهاب، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى دوما لأن النظام السوري وروسيا لم يتمكنا من ضمان سلامتهم».

لكن مسؤولاً روسياً قال خلال مؤتمر صحافي في السفارة الروسية في لاهاي «غداً (اليوم الثلاثاء) ستتفحص الأجهزة الأمنية لدى الأمم المتحدة الطرقات. ونخطط لوصول خبراء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية غداً الأربعاء»، موضحاً أن العمل جارٍ لنزع الألغام من الطرقات.

ويهدف فريق المفتشين إلى جمع عينات وإجراء مقابلات مع شهود وتوثيق أدلة للتأكد إن كانت الذخيرة السامة استخدمت لكن لن يُسمح له بإلقاء اللوم في الهجوم.

وكان مفتشو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تعرضوا للهجوم خلال مهمتين سابقتين إلى مواقع هجمات بالأسلحة الكيميائية في سوريا.

وألقت موسكو باللوم في التأخير على الضربات الجوية التي استهدفت خلالها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ما وصفته وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بأنها منشآت للأسلحة الكيميائية.

وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف «وجهنا دعوة لتحقيق موضوعي. كان هذا في البداية بعدما وردت هذه المعلومات (عن الهجوم)، لذا فإن الاتهامات لروسيا في هذا الشأن لا أساس لها».

وأدان المبعوث الأميركي في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية النظام السوري لما وصفه بممارسة «حكم الإرهاب الكيميائي».

وتقول منظمات إغاثة إن عشرات الرجال والنساء والأطفال قتلوا في الهجوم. ودفعت لقطات الضحايا الصغار الذين تخرج الرغوة من أفواههم ويبكون في ألم بالحرب الأهلية السورية إلى صدارة المشهد العالمي مرة أخرى.

وذكرت منظمة «الخوذ البيضاء للإغاثة الطبية» أن مثل هذه التصريحات التي بثها التلفزيون الرسمي للنظام في الأيام القليلة الماضية، انتزعت بالإكراه.

ولم تغير الضربات التي قادتها الولايات المتحدة التوازن الاستراتيجي في الحرب أو تخفف من هيمنة الأسد. وقال الحلفاء الغربيون إن الهدف كان منع استخدام الأسلحة الكيميائية مجدداً، وليس التدخل في الحرب الأهلية أو الإطاحة بالأسد.

وأوضح وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون ذلك لدى وصوله لاجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ قائلاً للصحافيين: «للأسف ستستمر الحرب في سوريا بشكلها المروع والبائس. لكن العالم كان يقول إنه نفد صبره على استخدام الأسلحة الكيميائية».

وصدق وزراء الدول الثماني والعشرين في التكتل على الضربات الصاروخية، وبحثوا اتخاذ خطوات لزيادة عزلة الأسد. وقال الوزراء في بيان بعد محادثاتهم في لوكسمبورغ إن «الاتحاد الأوروبي سيواصل بحث المزيد من الإجراءات المقيدة ضد النظام السوري طالما استمر القمع».

وخلص وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أمس، في لوكسمبورغ، إلى أن «المجلس يعتبر أن الضربات الجوية المحددة شكلت إجراءات خاصة اتخذت لهدف واحد هو منع النظام السوري من أن يستخدم مجدداً أسلحة كيميائية ومواد كيميائية كأسلحة لقتل السوريين»، مؤكدين تأييدهم «كل الجهود الهادفة إلى الحؤول دون استخدام الأسلحة الكيميائية».

وأشاد وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان بهذه الخلاصات، وقال قبل أن يغادر الاجتماع إن «الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء أيدتنا في هذه الإرادة لمنع وردع أي استخدام للسلاح الكيميائي. الاتحاد الأوروبي موحد اذن».

وعلق وزير خارجية لوكسمبورغ يان أسلبورن «إنها عملية (عسكرية) واحدة ويجب أن تبقى كذلك». فيما أوضح نظيره البلجيكي ديدييه ريندرز أن «الغاية من هذه الضربات كانت إظهار أن هناك خطاً أحمر يجب عدم تجاوزه».

وشدد الوزراء الأوروبيون في بيانهم على أن «زخم المرحلة الحالية يجب استخدامه لإحياء العملية الهادفة إلى ايجاد حل سياسي للنزاع السوري، ويكرر الاتحاد الأوروبي أن لا حل عسكرياً» في سوريا.

وكان وزير الخارجية الألماني هيكو ماس صرح لدى وصوله إلى لوكسمبورغ «يستحيل حل النزاع من دون روسيا»، مؤكداً أن الأولوية هي تجنب «تصعيد» عسكري في المنطقة.

وقال الوزير البلجيكي: «علينا أن نسلك مجدداً طريق حوار سياسي حول سوريا مع روسيا وإيران» الداعمتين للنظام السوري.

وكانت ممثلة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، أعلنت قبل ترؤسها المحادثات بين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، أن الاتحاد يريد تفعيل مفاوضات السلام حول سوريا، في اجتماع الأسبوع المقبل. وأضافت موغيريني أن «الناس يعانون ويموتون، وأعتقد أن المجتمع الدولي بأسره يجب أن يتحمل المسؤولية عن ذلك».

من جهته، قال وزير الخارجية الهولندي ستيف بلوك: «يتعين علينا مواصلة الضغط من أجل التوصل إلى حل من خلال مجلس الأمن الدولي لأنه الطريق الوحيد لتحقيق التقدم».

وفي أنقرة، اعتبر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ الضربة الثلاثية بأنها كانت إشارة واضحة لروسيا وإيران. وقال في حديث لقناة «إن تي في» إن «العملية كانت إشارة واضحة لروسيا وإيران، الداعمتين للنظام السوري واستهدفت أيضاً تقليل قدرة دمشق على استخدام السلاح الكيميائي، وهذا ما يسوّغ تعطيل روسيا التحقيق في مجلس الأمن الدولي».

إلى ذلك، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أمس، أن إسرائيل لن تقبل أن تفرض روسيا قيوداً على أنشطتها في سوريا أو المنطقة، وذلك بعد أسبوع على غارة استهدفت قاعدة التيفور الجوية العسكرية السورية، قرب مدينة حمص، نُسبت إلى إسرائيل.

وقال ليبرمان في مقابلة عبر الفيديو مع موقع «واللا» الإخباري رداً على سؤال حول انتقادات روسيا للضربة الأخيرة «سنحافظ على حرية العمل كاملة. لن نقبل أي قيود في ما يتعلق بمصالحنا الأمنية». لكنه استدرك قائلاً: «لكننا لا نريد استفزاز الروس. لدينا خط اتصال مفتوح على مستوى كبار الضباط. الروس يفهموننا والحقيقة هي أننا نجحنا لسنوات في تجنب الاحتكاك معهم» في سوريا.

وكانت دمشق وموسكو وإيران اتهمت في التاسع من نيسان الجاري، إسرائيل باستهداف قاعدة التيفور الجوية العسكرية، موقعة 14 قتيلاً من قوات النظام ومقاتلين موالين لها «بينهم ثلاثة ضباط سوريين ومقاتلون إيرانيون»، على ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان. ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق على الضربة. كما رفض المسؤولون الإسرائيليون تأكيد مسؤوليتهم عن الهجوم.

ودعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاربعاء الماضي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى «الإحجام عن اي عمل يؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار» بعد الغارة على قاعدة التيفور العسكرية.

وكرر ليبرمان أمس، اتهام إيران بالسعي إلى ترسيخ أقدامها عسكرياً في سوريا وتهديد إسرائيل. وقال: «كل الاحتمالات واردة، ولن تسمح إسرائيل بأن ترسّخ إيران قوة عسكرية في سوريا سواء في الموانئ أو في المطارات أو بنشر أسلحة متطورة. كذلك لن نسمح بأن تتحول سوريا إلى قاعدة إيرانية لمواجهة إسرائيل، ولن نسمح بأن تتحول غزة إلى قاعدة إيرانية لمواجهة إسرائيل».

وأضاف أن «حزب الله» وحركة «حماس»، «باتا الذراع العسكرية لإيران، وبدونها لن يتمكنا من البقاء يوماً واحداً»، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية في غزة هي نزع السلاح، وترتيب عودة الأسرى الإسرائيليين، وتأهيل قطاع غزة، وعلى سكان غزة أن يفهموا أن بإمكانهم تحويلها إلى سنغافورة».

وفي سياق متصل، نقل الكاتب توماس فريدمان في مقال في صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله إن الهجوم على مطار التيفور «كان أول هجوم حي على أهداف إيرانية شملت منشآت وأفراداً».

وأشار فريدمان في مقاله إلى أن الجولة الأولى من هذه المواجهة كانت في شباط الماضي، حين أعلنت إسرائيل إسقاط طائرة مسيرة إيرانية دخلت أجواءها. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي رونين مانليس في هذا الصدد، إن الطائرة انطلقت من مطار «التيفور»، وكانت موجهة لتنفيذ هجوم على إسرائيل، وليست في مهمة استطلاعية.

ووصف فريدمان الإيرانيين السبعة الذي سقطوا قتلى في هذا الهجوم، بأنهم أعضاء في «فيلق القدس» الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، وقال إن منهم قائداً لإحدى وحدات الطائرات بدون طيار.

(رويترز، أ ف ب، الأناضول، روسيا اليوم)