تفيد تقارير منظمة الصحة العالمية إلى انتحار شخص في العالم كل أربعين ثانية، وتؤكد أن الانتحار يعتبر السبب الثاني لوفيات المراهقين. أما في لبنان فبيّنت الدراسات الإحصائية ومحاضر قوى الأمن الداخلي ارتفاع عدد حالات الانتحار، حيث تم تسجيل١٤٣ حالة في العام الماضي بارتفاع ملحوظ عن الأعوام السابقة وبمعدل حالة واحدة كل ثلاثة أيام، وهذا ما دفع بجمعية «امبرايس» المعنية بالتوعية حول الصحة النفسية وبالتعاون مع وزارة الصحة العامة إلى إنشاء الخط الساخن 1564 لتقديم المساعدة النفسية المطلوبة والدعم المناسب.

عمل تطوعي بعد فترة تجربة لتفعيل الخدمة وتطويرها. وبحسب الاختصاصية في علم النفس ميا عطوي، وهي عضو مؤسس لجمعية «امبرايس»، فإن التطبيق بدأ في أيلول الماضي في دائرة محصورة لتجربته ودراسة جدواه. وفي كانون الثاني تم تلقي الكثير من الاتصالات حتى قبل الإعلان الرسمي عن الخدمة حتى فاق عدد الاتصالات التوقعات، وهو ما يؤكد الحاجة إلى اطلاق الخدمة على نحو أوسع في غضون الأيام المقبلة. وتلفت إلى أن الخط يمكن تسميته «خط الحياة» وهو اليوم متوافر من الساعة الثانية عشر ظهراً وحتى الثانية فجراً حيث يتعاقب على توفير الخدمة مجموعة من ٤٥ متطوعاً تلقوا تدريباً مكثفاً على يد مشرفين من ذوي الاختصاص يمكنهم التفاعل مع المتصل والإصغاء إلى ما يود قوله وتأمين المساعدة اللازمة.

وتتابع عطوي: «تتطلب مهمة التواصل من خلال الخط الساخن مهارات في التواصل والإصغاء واستحواذ ما يكفي من الخبرة لتقدير احتمالات جنوح المتصل نحو الانتحار لإنهاء مشكلاته. وكثيراً ما تتم متابعته وتخفيف وطأة الضغط النفسي لديه وصولاً إلى إقناعه بالتوجه إلى مركز طوارىء وفقاً لخطورة الموقف، أو إلى متخصص في الصحة النفسية في العيادات المتخصصة أو أحد المستوصفات، كما يتم التعاون في بعض الحالات مع جمعيات أخرى في حال وجود عائق مادي يعيق العلاج».

وتشير عطوي إلى أن خدمة الخط الساخن سيتواصل تطويرها حتى تصبح متوافرة بشكل متواصل ليلاً نهاراً من دون انقطاع مضيفة «ثمة حاجة ملحة لمثل هذه الخدمة في مجتمعنا نظراً لضغوط الحياة المتواصلة مع العلم أن المتصلين ينتمون لشرائح عمرية مختلفة، حيث تلقت الكوادر المتخصصة اتصالات بعضها من يافعين لم تتجاوز أعمارهم بعد مرحلة المراهقة ودافعهم كان التنمر المدرسي أو مشكلات عاطفية أو مع الأهل. كما أن العديد من الحالات يمكن ربطها بالإدمان والاكتئاب وثنائي القطب وأيضاً الفصام»، مؤكدة أن الدراسات في علم النفس في لبنان بيّنت أن ٢٥ في المئة من اللبنانين يعانون لفترة ولو عابرة في حياتهم لضغوط نفسية تحتاج إلى استشارة معالج نفسي للتمكن من تخطي الأزمة بأقل ضرر ممكن، والدليل أن المركز شهد في بعض المراحل تلقي أكثر من أربعين اتصالاً في يوم واحد. وختمت بالإشارة إلى التحضير لبرنامج وطني للصحة النفسية سيتم الإعلان عنه في غضون أيام ويتضمن الإعلان عن الخط الساخن لتأكيد الحرص على تقديم المساعدة وإبعاد شبح الانتحار.

«الحكي بيطوّل العمر»

توضح بيا زينون، استاذة محاضرة في علم النفس وعضو بالمجلس التأسيسي لجمعية «امبرايس»، إلى أن الخدمة مجانية وتهدف إلى تقديم الرعاية لأشخاص قد يمرون بضغوط وظروف عصيبة ما يدفعهم إلى التفكير بالانتحار، مشيرة إلى أن الحالات التي يعلن عنها سنوياً لا تجسد الواقع الحقيقي. فقد أفادت الإحصاءات أنه تسجّل حالة انتحار كل ثلاثة أيام في لبنان. إلا أن العدد سنوياً قد يتجاوز عتبة الـ١٧٠. وأكدت أن البعض قد يتوقف عند مرحلة التفكير بالانتحار في غالب الأحيان في حين يندفع آخرون نحو مرحلة التطبيق الفعلي.

وعن الفئة الأكثر عرضة للانتحار، تشير زينون إلى أن الذكور يشكلون نحو ثلثي عدد ضحايا الانتحار، وفي حين يكون السلاح الوسيلة الأسهل، فإن الكثير من النساء اللواتي يفكرن بالانتحار يستعملن الأدوية ولا يصلن دائماً إلى الموت.

وتضيف: «على الموقع الالكتروني للخدمة اخترنا عبارة «الحكي بيطول العمر» في إشارة إلى ضرورة الحديث عما يزعجنا ومحاولة إيجاد حل بدل الانعزال واليأس، وهنا نركز على أهمية دور العائلة في دعم الشخص الذي يعاني من أزمات نفسية وإحاطته بالاهتمام، مع الإشارة إلى أن العائلة والاصدقاء المقربين يمكن أن يلمسوا أدلة عن وجود حاجة لدى الفرد لاستشارة معالج نفسي في وقت مبكر وقبل أن تتفاقم حالته وتتعقد».

تجدر الإشارة إلى أن الفريق المتخصص في هذه الخدمة مكلف بالتخفيف من تشنج الحالات التي يتابعها وبتعزيز التفكير الإيجابي لديه ومساعدته على تخطي ما يمر به من ضيق، مع العلم أن الدراسات الحديثة في هذا الشأن تعتبر أن الأمراض النفسية قابلة للعلاج تماماً كالامراض الجسدية، وبعضها قد لا يكون مستعصياً بل أنه يتقلص ويضمحل بمجرد الشعور بأن ثمة من يسمع.