عندما رمى الرئيس الأميركي دونالد ترامب كلمة على حسابه على تويتر حول أن قوات بلاده ستنسحب من سوريا، فوجئ بردة الفعل السلبية من المسؤولين الأميركيين ومن الرأي العام والصحافة حيال هذا الكلام. إلى أن أكد لاحقاً أن الانسحاب سيحصل لكن ليس حالياً.

لكن مصادر ديبلوماسية تقول إن ليس هناك من برنامج زمني للانسحاب. إنها كلمة رماها فقط لاعتبارات عديدة أغلبها داخلي، في الولاية التي كان يزورها والتي تواجه مشاكل اقتصادية واجتماعية. وزير الخارجية المستقيل ريكس تيلرسون أعلن الاستراتيجية الأميركية في سوريا للمرحلة المقبلة، وليس هناك من موقف رسمي يتحدث عن الانسحاب. إنما الانسحاب ليس في يد ترامب وحده، وبالتالي لم تتضح بعد معالم السياسة الأميركية في سوريا. قد يكون قد رمى الكلام حول الانسحاب لإرضاء الروس أكثر، مع الإشارة، إلى أن من يستبعد الانسحاب، حجته هي أن ذلك ينفع إيران. والديبلوماسيون الغربيون يقولون، إن بين الاتهامات الموجهة لترامب حول تدخُّل روسيا في الانتخابات الرئاسية، وملف الممثلات الذي فُتح أمامه، ووضعه غير المستقر بعد بالنسبة إلى سياسة إدارته، والمسؤولين في إدارته، يتوقع أن الكلام عن الانسحاب هو للفت النظر إلى مسألة أخرى غير المسائل الداخلية التي تواجهه فقط، لأن سياسته حيال سوريا لا تزال غير واضحة فعلياً، وما هو واضح فقط أنه لا يريد أن يستعمل النظام السوري السلاح الكيماوي ضد شعبه. إن الضربة التي تتحدث عنها واشنطن ضد النظام لا تزال مرتبطة باستعماله الكيماوي ولا شيء محدداً حول أن هدف الضربة سيغير المعادلات داخل سوريا وسيطيح بالنظام. كذلك ليس هناك من شيء محدد حول حصول الضربة واللعب على حافة الهاوية.

وتفيد المصادر، أن الإدارة الأميركية الحالية تعتبر أن تنظيم «داعش» بات محصوراً في منطقة ضيقة، وعلى الرغم من ذلك، فإن الحرب عليه لم تنتهِ بعد، وهي ستستمر، خصوصاً أن القلق هو من انتشار عناصره، لا سيما وأن اعتداءات تحصل باسمه أسبوعياً، وفي مختلف دول العالم، وأن لم يُعلن عنها بالكامل. واشنطن تعتبر أن المعركة على «داعش» للقضاء عليه لم تنتهِ بعد ويجب أن تستمر في شتى النواحي، إن أمنياً أو تمويلاً أو تواصلاً وتجنيداً. هناك خوف حقيقي من أنه إذا ضعفت «داعش» وانهارت، من المحتمل أن يذهب أتباعها مع «القاعدة» في بعض الدول. لكن هناك رأي آخر، يقول باستبعاد ذلك، لأن الأهداف مختلفة بين الإثنين. إنما الرأي الأول، يخاف من الأمور المشتركة بين الإثنين وهي: الإرهاب، وثقافة زرع الخوف والقتل.

ويعتبر الأميركيون أنه في هذا الوقت يجب تنشيط الاستثمارات في العراق في إعادة الإعمار، خصوصاً في البنى التحتية. وهذا ما ينطبق أيضاً على الموقف الأميركي من سوريا بالنسبة إلى «داعش».

لكن في سوريا، هناك موضوع مختلف، وهو أن إعادة الإعمار مشروطة برحيل رأس النظام السوري، والتوصل إلى حل يؤدي إلى حصول مرحلة انتقالية في الحكم وفق القرار ٢٢٥٤، من أجل أن تُساهم واشنطن بالإعمار وأن تطلق يد الدول الغربية كلها، والدول العربية في هذا المسار، فضلاً عن البنوك الدولية وهي تتأثر بموقف الإدارة الأميركية. ومن ضمن إعادة الإعمار يريد الأميركيون بحث تمويل عودة السوريين النازحين عن سوريا إلى ديارهم. وهذا كله لا يمكن لواشنطن أن تقوم به قبل المرحلة الانتقالية ورضوخ الأسد لها. لكن إذا لم يحصل ذلك حتى الآن، لن تقوم واشنطن بالسماح لتوقف لتدفق أموال الاستثمارات إلى سوريا وتمويل إعادة إعمارها.

إنها لعبة الوقت، بالنسبة إلى المصادر الغربية، والتي قد يطول انتظار نتائجها، فهناك الترانسفير بين المناطق السورية، وتفريغ مناطق من طوائف معينة، وتعبئة مناطق أخرى بطوائف أخرى. وهناك احتلال الأكراد لمناطق، والعلاقة غير مستقرة بين الإدارة الأميركية برئاسة ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كل الأطراف لا سيما الأميركيون يتركون أموراً لتحصل على الأرض لاحقاً، من أجل الحديث عن التسوية. وفي المقلب السوري الجنوبي، هناك إسرائيل، حيث بالنسبة إليها الخطر الإيراني يفوق أهمية خطر «داعش»، أو خطر الأكراد وهي تدعمهم مع حليفتها واشنطن. هذا قد يُخَسِّر الإثنين تركيا، التي هي عضو أساسي في «الناتو».

أكثر ما يؤثر في متانة أي قرار أميركي هو التفاوت في وجهات النظر بين البيت الأبيض والخارجية. إذ ليس هناك من موقف موحد، ترامب لديه رأي جديد في الأمور كل يوم. وكل يوم يجري تغييرات في مستشاريه وبعض وزرائه، وإذا عارضه أي مسؤول يقول له اذهب إلى بيتك.