يتذكر كثيرون مثلي، أن «قرار» السيّئ الذكر باراك أوباما في العام 2013 معاقبة رئيس سوريا السابق بشار الأسد على قصف الغوطة (نفسها) بالكيماوي ما أوقع آنذاك نحو 1700 ضحية جلّهم من الأطفال، كشف بسرعة البرق والرعد والضوء مدى هشاشة المحور الثلاثي الإيراني – الروسي – الأسدي، وكيف أنّه «متماسك» في وجه الداخل السوري فقط، وغير موجود عملياً في وجه الأميركيين أو الإسرائيليين أو غيرهم!

طبعاً القرار الأوبامي لم يُنفّذ. وأمكن عبر «الوسيط» الروسي إيجاد تسوية (طلبتها إسرائيل!) قضت بسحب مخزون السلاح الكيماوي الأسدي مقابل عدم توجيه ضربة عسكرية أميركية.. وتبيّن لاحقاً بأن تلك «التسوية» المخزية كانت في واقع الحال ذروة تواطؤ وتكالب الأطراف الخارجية المعنية، على السوريين وآلامهم ونكبتهم، عدا عن كونها في ذاتها، ناقصة آليات التحقّق من تمام التزام الأسد بتسليم «كل» أسلحته «المفضّلة»، مثلما تبيّن لاحقاً، وصولاً إلى الأمس القريب والوضع الراهن!

إسرائيل يومها أرادت شيئين. الأول تثبيت الأسد في مكانه تبعاً لخدماته الاستراتيجية وقدرته الإعجازية على تحقيق ما لا يمكنها هي تحقيق بعضه على مدى عقود طويلة، والثاني تشليحه المخزون الكيماوي برغم تيقّنها التام من أنّه لن يتجرّأ على استخدامه ضدها!.. وروسيا أرادت بطبيعة الحال حماية تابعها ومصالحها، ورأت في النكبة فرصة كبيرة لها لتدعيم نفوذها وحضورها الدوليين.. وكانت محقّة في ذلك! وأوباما (حجر الرحى) أراد ما أرادته إسرائيل لكن مع إضافةٍ مهمة جداً بالنسبة إليه، هي عدم «إزعاج» المفاوض الإيراني في الملف النووي! المهم في الأمر هو أنّ الجميع خرج رابحاً من المتاجرة بأطفال الغوطة المخنوقين!

لكن المغزى من هذه المراجعة ليست الردح ولا الندب، وإنما التدليل على الهشاشة المتكررة في صلابة «المحور» «المنتصر» في الغوطة!

.. في العام 2013، أعلنت موسكو على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، أنّها لن تقاتل الأميركيين إذا ضربوا الأسد.. وفي واقع الحال لن تقاتل أحداً (غير سوري) من أجل الأسد. وأعلن الإيرانيون بدورهم، وعلى لسان الرئيس حسن روحاني نفسه، أنّ بلاده «ستستمر في دعم الشعب السوري» غذائياً وإغاثياً! أي إنه قال بفصيح لسانه وعباراته إنّ طهران لن تقاتل الأميركيين أيضاً، في سوريا.. علماً أنه أكد بذلك مبدأ ثابتاً في أداء القيادة الإيرانية قوامه النزال مع «الأعداء» بالواسطة وليس مباشرة! خصوصاً إذا كان هؤلاء «الأعداء» أقوى وأشرس! وهذا المبدأ سرى ويسري وسيسري (والله أعلم!) على جميع الأتباع والحلفاء بمن فيهم تحديداً «حزب الله» في مواجهة إسرائيل، والأسد في «مواجهة» الأميركيين!

الأمر ذاته يتكرّر راهناً مع اختلاف في بعض التفاصيل: موسكو أكدت بأكثر من طريقة أنّها غير معنيّة بـ«التصدي» للأميركيين.. وفلاديمير بوتين يحضّ على تغليب «لغة العقل» و«التعاون» وليس التنافر. ومندوبه في الأمم المتحدة يبتهل إلى الله كي لا «يضطر مجلس الأمن إلى الاجتماع مجدداً للبحث في مشكلة جديدة» (حرفياً!) ثم أكثر من ذلك، جرت بسلاسة تامة عملية سحب البوارج الحربية الروسية من القاعدة البحرية في طرطوس إلى عمق البحر!، وتمرير ما يكفي من معلومات تقول بأن الوضع في قاعدة «حميميم» لم يشهد أي تطور! وأي استنفار! وأي إضافات دفاعية!

أمّا إيران ففي عالم آخر: فجأة صمتت عن الكلام المباح! ولم يصدر عنها، لا على المستوى «الرسمي» ولا على المستوى «الثوري» ما يشير إلى أنها ستعدّل في مبدأها الماسّي وستقاتل الأميركيين! حتى الوعد بالردّ على قتل المستشارين الإيرانيين في مطار «تي فور» قرب تدمر بالغارة الإسرائيلية الأخيرة، جرى الإيعاز بـ«توضحيه» من خلال القول إن «الردّ» آجل وليس عاجلاً!

والمخزي في المشهد برمّته، أنّ الصمت إزاء الأميركيين والإسرائيليين قابلته زيارة تفقدية لمكان «الانتصار العظيم» في الغوطة، من قبل علي أكبر ولايتي مستشار «الولي الفقيه»!

«محور» صالح للاستخدام المحلي فقط! وأمام الأضعف والأوهن! أما غير ذلك فنتف متفرّقة كل من فيها يبحث عن خلاصه، وهذا في عُرفها يبرّر أي شيء بما فيه التفرّج من بعيد (إذا أمكن) على بدء مرحلة العلاج الصدّامي للأسد الكيماوي!

علي نون