مقاتلون اختبروا شراسة الحرب الأهلية، وتلك التركة الثقيلة من الضحايا والمعوقين والأمهات الثكالى والمفقودين والدمار الذي أحال بلداً في ربيعه إلى كومة من الرماد، فكان لا بد أن يطلقوا بعد عقود من توقف الرصاص والمدافع، صرخة مدوية برسم الشباب اللبناني في أن لا ينجروا يوماً إلى أتون الحرب. ذلك أن الحرب لا تجر الانتصارات ولا غلبة فريق على آخر، وإنما تحيل كل من لطخ يده بها إلى محكمة التاريخ الذي لا يرحم في القضايا الوطنية التي تمسّ بقاء الوطن من عدمه.

ولعدم تكرار تجربة الحرب الأهلية وضمان عدم عودة المتاريس إلى الشارع، كان لا بد من تلاقي أولئك المحاربين في جمعيات تدعو إلى السلم والسلام، ومن بينها جمعية «محاربون من أجل السلام» التي انتسب إليها 25 مقاتلاً ممن دفعتهم قراءتهم النقدية الذاتية للحرب إلى توجيه نداء من مقاتلي الأمس إلى مقاتلي اليوم لعدم تكرار أخطاء الماضي، تحت شعار العنف ليس وسيلة لحل المشاكل.

انطلقت فكرة تأسيس الجمعية بعد اندلاع الأحداث بين جبل محسن وباب التبانة في طرابلس عام 2012. وكان سعى مؤسسها المقاتل والمسؤول السابق في الحزب الشيوعي زياد صعب إلى تقديم شهادات حية تغييرية للطلاب والشباب، في حملات عابرة للطوائف والمناطق لعدم الانجرار إلى العنف والمواجهات.

يحكي صعب بأن عملية التغيير لم تكن سهلة، بل تطلبت مجهوداً يجهد في أن يعكسه ايجاباً من خلال البرامج التثقيفية والتربوية والفكرية، ومن خلال تكثيف ورش العمل والندوات وتجسيد قصص الحرب بأفلام وثائقية ومسرحيات.

وكان أرسى من خلال لغة الحوار والتفاهم ومعالجة الأمور بالطرق السلمية، القاعدة الأساسية للجمعية، مؤكداً بأنها تتعاون اليوم مع مقاتلين سابقين في العراق وتسعى لإطلاق جمعية «مقاتلات من أجل السلام» التي انضم إليها أخيراً عشرات النساء اللواتي شاركن في الحرب.

وللأهداف نفسها، انطلقت حركةُ لبنانَ الرسالة على أمل تجنيب البلد والأجيال الفتية معاناة الأمس الطويلة، وما نتج عنها من معارك شرسة شارك فيها عسكريون ومقاتلون حمَلوا السلاحَ وتَواجهوا في جبهاتِ قتالٍ أودت بحياةِ الآلاف.

وعلى الرغم من المعارك الدامية في العام 1990، لم تمنع الإرادة في المصالحة مجموعة ضباط سابقين من طي صفحةِ الاقتتال، والتَلاقي في أهداف مشترَكة ايماناً بأن البلدَ بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الأمل من أجلِ مستقبلٍ أفضل يضمنُ وَحدةَ الوطن بمختلَفِ الطوائف.

تأسست الحركة في العام 2007. وكانت باكورةَ أهدافها تطوير ذهنيةٍ جديدة ونَشرِها في العملِ السياسي، وخَلقِ ارضيةٍ ثقافيةٍ للحركة، والنهوضِ من حالةِ السكونِ التي يعيشها الشبابُ اللبناني، والتعلمِ من تجربةِ من عايش الحربَ لتَجَنبِ التقاتلِ والخصام، معولة في ذلك على الارشادِ الرسولي، وشُرعةِ العملِ السياسي، وتنميةِ الكوادرِ المنتسبة سياسياً وثقافياً وفكرياً، فضلاً عن تنقيةِ الذاكرة، وتنميةِ ثقافةِ الحوار، والوَحدة في التنوع، وحقِ الاختلاف للتخلصِ من التبعيةِ والتزلفِ والاستزلام، وصولاً إلى استنهاضِ الطاقات خِدمةً للفردِ والمجتمع والخيرِ العام في لبنان.

وبحسب نائبُ رئيسِ الحركة العميد السابق خليل الحلو، فإن البداية كانت عندما حدث لقاء بينه وبين الضابطِ السابق في حزبِ القواتِ اللبنانية ريمون ناضر، فاتخذا القرارَ بالسيرِ على دربِ المصالحات، ولاسيما أنهما وجدا بعد انتهاء الحرب فرصاً ومواضيع مشتركة تجمع تطلعاتهما، معيدان قراءة ما حدث خلال الحرب لتحصين الشباب اللبناني من تجددها والانغماس في أوحالها.

وكانت تجربتُهما شهادةً حية للشباب كي لا يقعوا في دوامةِ الصراعاتِ والعنف، مشيراً إلى أن مقولةَ لبنان وطنِ الرسالة تعني الارتقاءَ بهذا المفهومِ إلى أعلى درجاتِ النبلِ الانساني لتحقيقِ العيشِ المشترك. وعلى هذا الأساس، نظمتِ الحركة محاضراتٍ ونُدواتٍ سياسية وطاولاتٍ مستديرة مع ذوي الاختصاص لايجادِ حلولٍ ومخارجَ توافقية على ضوءِ تطوراتِ الوضع في لبنانَ والمنطقة، وأعدّت برامجَ توعويةً تثقيفية حول مفاهيمِ المواطنة والديموقراطية، وثقافةِ السلام، وحلِ النزاعات.

من جهتِه، يؤكد طوني عطية، أحدُ المنتسبينَ إلى هذه الحركة، أنه وجد ما يبحث عنه في لبنان الرسالة بما تُمثّل من رؤيةٍ وأهدافٍ مبنية على المحبةِ والحريةِ والمعرفة، على ضوءِ الخُبراتِ التي عاشها مؤسسوها جراءَ الحربِ الأهلية الأليمة، وصراعِهم بالأمس والمصالحة العميقة الصادقة التي تحققت بين المتقاتلين عبر الاعترافِ بالحقيقة والعودة إلى الجذور ونفضِ الغبارِ عن الهوية، وادراكِ مفهومِ السياسة بأنه فنٌّ شريف في خدمةِ الخير العام.