«فُقد اثر العائلة ولم يعرف عنها أي شيء منذ ذلك الحين»، أي منذ 43 عاماً. لا تهم الأسماء ولا المنطقة التي فقدت فيها ولا القضية التي لأجلها خطفت العائلة، أو تشردت، أو جرى تصفيتها على أحد الحواجز الطيارة وعلى عين مقاتلين مقنعين وفي حضور صراخ نسوة وأطفال، ذلك أن القضية في العرف اللبناني الذي صفح وعفا وغفا عما مضى، باتت تشبه حدوتة تروى للأطفال قبل النوم: «وبعدما أنقذ البابا ليلى من الذئب، يمكن أكلو الذئب».

وفي عهدة ذئاب بشرية من زمن الحرب، يبقى مصير 17 ألف مفقود في الحرب الأهلية اللبنانية «مفقوداً»، تتلقفه الأمهات والزوجات والشقيقات مثل خبر مشكوك به، ومثل حقيقة لا بد أن تنتهي على خير بعودة ميمونة كما يحدث في الأفلام السعيدة، إلا أن العودة المنتظرة باتت في عهدة مرويات تتناقلها العائلات عن آخر مكان شوهد فيه المخطوف، وعن السيارة أو الشاحنة التي أقلته، وعن الوجوه التي استدرجته، وعن الوجهة والزمان والمكان وأمور أخرى جرت المتاجرة بها على حساب الأهالي الذين رحلوا بمعظمهم وفي قلوبهم حرقة الضنى الذي قد يأتي على غفلة وقد لا يعود يوماً.

وكعادتها في كل ثالث عشر من نيسان، تحزم العائلات خيباتها وأحزانها وما تيسر من مستندات ووثائق وصور باتجاه قلب المدينة الذي كان شاهداً على ضراوة حرب العام 1975، ويشهد في الموعد نفسه من كل عام على وجع الأهالي في تلاقيهم في الخيمة التي نصبوها من عقود في حديقة جبران خليل جبران، هناك حيث شكلوا لجنة «أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»، وحيث يطلقون اليوم حملة «لائحة المفقودين في كل لبنان» ويسلمون العريضة الوطنية للمفقودين ويسجلون عاماً آخر في عهدة الغياب والغيّاب، مع إيجابية التحرك الذي تمثل بإعلان رئيس الجمهورية ميشال عون تكليف وزير العدل إنشاء لجنة لمعالجة قضية المفقودين.

وفي ذكرى الحرب، وفي استحضار المفقودين الـ17 ألف، تضع جمعيّة «لِنعمل من أجل المَفقودين»، مُجسّماتٍ تُمثِّلُ المفقودين في 35 مكاناً مُختلفاً من بيروت وضاحيتها حيثُ اختطف أشخاصٌ، وسيحملُ كُلٌّ من هذه المُجسّمات الرسالةً التالية: «هنا اختطف أشخاص./ هنا أو هناك، لقد حان الوقت لمعرفة ما حصل لهم»، على أن تجول في شوارع بيروت وضاحيتها، حافلةٌ كُتِبت عليها الرّسالة التالية: «لِتُطوَ صفحة الحرب ولتلتئم جراحها، لنسهم في الكشف عن الحقيقة». وسيُدعَى السُّكّان إلى رُكوب الحافلة بُغيةَ إلقاء نظرة على خريطةٍ تُظهرُ أماكن من ذاكرة الحرب وتحتوِي معلوماتٍ وشهادات على حدٍّ سواء.

وبحسب الجمعية، فإنه من المتوقع أن تختَتِمُ الحافلة جولتها وتتوقّف في مكانٍ مركزيّ من بيروت حيثُ سيُدعَى المُرشّحون للانتخابات النّيابيّة إلى الحضُور للاستماع إلى شكاوى الجمعيات والضّحايا في شأن الحقّ في معرفة الحقيقة، ولا سيّما في مسألة المفقودين. كما ترمي إلى حثّ الأفرادِ على إعلاءِ أصواتهم وعلى رواية ما حصلَ في إطارِ المُبادَرَةِ إلى شفاء الذاكرات. فالحقيقةُ تُهدّئُ النّفوس ولا تُعيد إحياءَ التّوتّرات، وأمّا طمسُها والتّنصّل منها فغالباً ما يؤديان إلى تأجيج توتّرات الماضي بدلَ إخمادها.

فهل يطرأ جديد، أو متغير في القضية التي وقفت عند تقفي آثارهم، ولا يزال البحث مستمراً.