بعد أن اتّسم الموسم الإنتخابي في الأشهر الأخيرة بمناخ من الإبتعاد عن أزمات المنطقة وحروبها المتفجرة، بل إلى نوع من "المحلّية الانطوائية"، بكل مفارقات المشهد المتوازي، بين صخب المنافسة بين اللوائح المختلفة و"مشاغل" الصوت التفضيلي في لبنان، والمجزرة المستمرّة في غوطة الشام على بعد عشرات الكيلومترات من حدود لبنان الشرقية، عاد "الإقليم" و"العالم" ليخيّما مجدّداً على الهواجس اللبنانية عشية الإستحقاق، من بوابة الهجوم الكيماوي الأخير في الغوطة، وتصاعد التوتر العالمي على خلفيته بين روسيا والمجموعة الغربية، والهجوم الإسرائيلي الأخير و"بورصة الإحتمالات" في ما عنى التوجّه الأميركي المرتقب من بعد التصعيد الكلامي للرئيس دونالد ترامب وإدارته، والتصلّب الروسي الواضح في مجلس الأمن.

حتى الأسبوع الماضي، ظهرت الولايات المتحدة في مظهر المستعد للإنسحاب من مواقع تواجدها العسكري في سوريا (نحو ألفي جندي من المارينز والقوات الخاصة في نهاية العام الماضي)، هذا على الرغم من التبديلات "في إتجاه متصّلب" ضمن الإدارة الأميركية، من بعد إستبدال ركس تيلرسن بمارك بومبيو، المعروف بمناهضته لروسيا، كوزير للخارجية، وتعيين جون بولتن أحد صقور "المحافظين الجدد" في عهد جورج بوش الإبن، كمستشار للأمن القومي، وهو المعروف بمناهضته الشديدة للإتفاق النووي بين الغرب وايران وحماسته الدائمة و"العقائدية" لحروب الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط. ثم، مباشرة من بعد انتشار معطيات عن هجوم بالغازات السامة جديد في منطقة الغوطة المحاصرة، تبدّلت الحال رأساً على عقب، وعدنا إلى ما يشبه الأيام التالية للهجوم الكيماوي بغاز السارين في نفس الوقت تقريباً من العام الماضي، في خان شيخون. يومها بدّل أيضاً ترامب من موقفه الكلامي حيال بشّار الأسد، من متطبّع مع إستمراره في الوجود، على اعتبار أولوية محاربة تنظيم "داعش" إلى متوعد بالإطاحة بالأسد، وأسفرت الموجة التصلبية يومها عن هجوم بصواريخ التوماهوك على قاعدة جوية للنظام السوري، ثم تراجع الإهتمام الأميركي بالتعجيل بنهاية النظام السوري، في حين كان هذا النظام، ومحور الممانعة الذي تقوده ايران بشكل عام، وترعاها روسيا في سوريا، يستفيدان من وضعية مؤاتية لهم على نحو واسع النطاق.

وبانتظار جلاء الصورة في الموقف الأميركي العملي، تتحكم بنظرة كثيرين المقارنة بين ما سيُقدم عليه ترامب هذا العام، وما فعله قبل عام، ولهذه المقارنة حدودها، لأنّ ثمة ما هو مختلف بين نيسان 2017 ونيسان 2018: درجة التوتر الأميركي – الروسي اليوم أعلى بكثير من العام الماضي، ومنسوب التهديد للأمن والسلام العالميين هو أعلى اليوم، كما أنّ "داعش" انحسرت بشكل كبير بين العامين، خصوصاً بعد خسارتها الموصل، وليس فقط داعش، بل كذلك الأمر، فصائل متشددة عديدة خسرت مناطقها المبعثرة على الخارطة السورية، وانكفأت بإتجاه محافظة إدلب ومناطق أخرى من الشمال السوري.

وطالما أنّ مسار الأزمة الحالية لم يتضح مآله بعد، فإن وجهة التأثير على الحدث الإنتخابي اللبناني الوشيك لا يمكن التكهن بها بعد. فهل يحتفظ الإستحقاق بـ"انطوائيته المحلية" في عز تصاعد التوتر الإقليمي والدولي في شكله الحالي؟ من جهة، اختلاف الوضع اللبناني عن مثيله في سوريا هو مدعاة للإحتراز من عدم تمدّد الحريق الإقليمي – والدوليّ بأي شكل كان هذا التمدّد، ومن جهة ثانية، الإنخراط "الحزب اللهي" في النزاع السوري وفي الإستقطابات الإقليمية والدولية كافة، بشكل لا يقارن مع "انحيازات" الأطراف الأخرى في الداخل، هو معطى لا بد من متابعته أولاً بأول في الأقل من شهر الذي بات يفصلنا عن موعد التوجه للصناديق. "النأي بالنفس" يوجد راهنيته أكثر من ذي قبل، لكنه يحتاج إلى مناعة خاصة للتمكن من اجتياز الفترة الحالية، التي لا تزال حتى الساعة بمقدار عالٍ من الغموض، وهو غموض دولي وإقليمي يقوّي حجّة "النأي بالنفس" والحاجة اليه داخلياً، وليس العكس، لكنه يزيد من المسؤولية الواجب أن يتحلى بها اللبنانيون لتأمين شبكة مناعة إضافية لهذا المسار في المرحلة "الانتقالية الوجيزة" قبل الإستحقاق وبعده.

وسط هذا الغموض، تبقى حاجة عامة للجمع بين ضرورة الإنحياز إلى جانب الشعوب العربية المجاورة في صراعها ضد العدوانية الإستعمارية، كما في حال الفلسطينيين، أو ضد الإستبداد والتفتت المجتمعي والكياني والإستتباعات الإقليمية والأجنبية المختلفة، كما في حال السوريين، وبين ضرورة الإحتراز، ليس فقط في الإطار العملي "التقني" البحث لدرء الحرائق المجاورة عن لبنان، بل أيضاً الإحتراز من "موجات الصعود والهبوط" (اليويو) في السياسات الدولية، وتحديداً سياسة ادارة الرئيس دونالد ترامب.

هذا مع التنبيه إلى أهمية عدم الإكتفاء بالنظر إلى إدارة ترامب على أنها "مزاجية" أو "مغامرة" أو "متقلّبة"، والسعي دائماً إلى التقاط "وجهة عامة" تتبعها هذه السياسة، رغم كل تقلباتها الظاهرة منها والفعلية. وفي هذا المجال تنفع قراءة مقالة باري بوزين في العدد الأخير من مجلة "الفورين أفيرز" عن "صعود الهيمنة اللا – ليبرالية" في ظل رئاسة ترامب. على ما يوضحه بوزين، كل شعارات ترامب الانعزالية عن العالم، أيام حملته الإنتخابية، أعرض عنها منذ استلامه الرئاسة، لكنه أعرض أيضاً عن "استراتيجية الهيمنة الليبرالية" على العالم، التي تبنّتها بلاده في عزّ الحرب الباردة، فلم يعد مكترثاً ببرامج تصدير الديموقراطية ولا تعميم اقتصاديات السوق، من دون ان يستتبع ذلك تقليلاً في الإنفاق العسكري، بل زيادته، ومزيداً من التدخل في أفغانستان أو في الشرق الأوسط، بل مزيداً من المواكبة العسكرية لأوكرانيا، غير العضو في الحلف الأطلسي، في مواجهة روسيا، في الوقت نفسه الذي حاول فيه ترامب في قمة الأطلسي العام الماضي التنصّل من موجبات الدفاع عن الدول المنتمية إلى الحلف، تبعاً لميثاقه. كيف ستترجم "استراتيجية الهيمنة اللا – ليبرالية" نفسها في الأزمة الحالية؟ صعب التقدير. مُستبعد تكرار نفس مشهد العام الماضي. مُستبعد أكثر أن يحافظ الإستحقاق النيابي عندنا على "انطوائيته المحلية" في الأسابيع المقبلة، وفي نفس الوقت: قليل من التعقّل ووزن الأمور لا يضرّ أبداً، بل ينفع وأكثر.