لن تطول فترة «التشاور» التي تقتضيها ضرورات الردّ الأميركي الموعود على الانتهاك الكيماوي الأسدي الجديد في دوما، بل يمكن الزّعم بأنَّ الرئيس دونالد ترامب اتخذ قراره قبل ذلك «التشاور»، المحلي مع أركان قيادته، والخارجي مع حلفائه الأوروبيين.. والباقي تفاصيل.

ويمكن بذلك، لرئيس سوريا السابق بشّار الأسد وحُماته الإيرانيين والروس، التيقّن سلفاً، بأنّ ترامب ليس باراك أوباما! وأن خصاله التكتيكية قد تكون غريبة وليست مألوفة، لكن أحكامه في الموضوعين الإيراني والكوري، ثم إزاء «الأداء» الأسدي تدلّ على وضوح لا يحتمل الإبهام. وعلى جهوزية تصادمية «مبدئية» وخارجة عن سياقات الأكلاف (المالية تحديداً) التي يحلو له الاستناد إليها كثيراً، في مواقفه الخارجية، وإزاء القضايا الساخنة والحاضرة في هذه الأيام!

وتلك من حيث المبدأ، واحدة من مفارقات وتناقضات النكبة السورية.. وهي كثيرة كثرة تعدّد وتنوّع «المعنيين» بها إقليمياً ودولياً برغم كون سوريا في الحسابات الاستراتيجية الكبرى خرجت من دورها المركزي في النزاع العربي – الإسرائيلي، وفقدت وزنها المألوف (والفضفاض!) فيه وفي هوامشه ومتفرعاته، ولم تعد في ذاتها موضع تحسّب ومتابعة، سوى لجهة تحوّلها إلى مقر وممر للمشروع الإيراني وتتماته اللبنانية تحديداً.

لكن قبل الهجوم الكيماوي الجديد، فاجأ الرئيس الأميركي العالم، بما فيه دوائر الخارجية والدفاع في واشنطن نفسها، بقراره ترك سوريا للآخرين! وسحب الجنود الأميركيين المنتشرين في شرقها، باعتبار أنّ لا شيء فيها يستحق «الأكلاف» المدفوعة.. حتى لو كان ذلك الشيء يتعلق بمواجهة النفوذ الإيراني المتنامي، والموضوع (عند الأميركيين!) في خانة الممارسات المهدِّدة للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط عموماً! عدا عن كون ذلك النفوذ أحد أخطر «التهديدات» التي تواجه إسرائيل وتقضّ مضاجعها!

وسيمر بعض الوقت، قبل أن يُفهم تماماً مغزى قرار ترامب ذاك! وما إذا كان خطوة إلى الوراء تحضيراً لخطوتين إلى الأمام! أي ترك «الفرع» الإيراني في سوريا، والتركيز على «الأصل» في إيران نفسها! أم أنه استجابة لمنطق المصالح الكبرى غير الموجودة في البلد المنكوب، في مقوّماتها الأساسية. أكان ذلك يتعلق بالطاقة ومصادرها (نفط وغاز) أم بالجغرافيا المتحكّمة بحركة الملاحة الدولية. أم بالتأثير على أسواق المال وأسعار البورصات. أم لجهة وصول الوجود الروسي إلى مستوى تهديد الغربيين (والإسرائيليين) تكتيكياً واستراتيجياً..

ذلك كلّه، في عالم الحسابات الكبرى التي تُبنى على ضوئها حسابات الدول الكبرى، غير متوافر في سوريا بل العكس! وفوق هذا في جملته، هناك «مغريات» كثيرة تدفع إلى تثبيت حسابات التملّص والانسحاب. وفي أولها أنَّ ما يجري منذ سبع سنوات (بغضّ النظر عن الأبعاد الإنسانية) هو عملية استنزاف لكل القوى والأطراف المنخرطة فيها.. وجُلّها مصنّف مبدئياً في خانة «العداء» المكشوف أو المُستتر أو المُدّعى، ولا حاجة أو ضرورة، للتدخّل وتشويه الصورة!

والأرجح أنّ بشار الأسد انتشى بهذه القراءة المبدئية! وزاد على انتشائه «إعلان» ترامب الانسحاب من سوريا! لكنه في ذلك راح بعيداً وطاش، ولم ينتبه إلى أن القدرة على تحمّل التوحّش في هذا الزمن المفتوح، ليست مفتوحة! ولا تخضع دائماً لقياسات المصالح الاستراتيجية! وأن «ثقافة» أسلحة الإبادة والكيماوي والغاز لا يمكن أن تُقبل في مكان وتُرفض في مكان آخر! ولجمها في شوارع المدن البريطانية موازٍ لِلجْمها في الغوطة الشرقية، وفي إيران كما في كوريا الشمالية.. وإلاّ سادت وصارت «عادية» و«طبيعية» وممكنة الاستعمال حتى من قبل جماعات الإرهاب المتأهبة والفالتة في كل اتجاه!

.. وقع في الجبّ رئيس سوريا السابق، في اللحظة ذاتها، التي افترض أنّه نجا من العقاب! ونجح في ترميد سوريا و«الانتصار» على خرابها ونكبتها وكوارثها.. ولم ينتبه إلى أنَّ ترامب ليس أوباما!

علي نون