سوريا لن تعود.. سوريا أصبحت تحت الاحتلال. هذا واقع لا ينفع ولا يحل كل الكلام والخطب الرنانة حول «العمل من أجل أن يقرر شعبها مصيرها».. كما قيل بعد اختتام قمة أنقرة..هذه القمة وقبلها قمة سوتشي وبعدهما قمة طهران ليست سوى قمم لتقاسم سوريا حاضراً ومستقبلاً، تحت الرقابة الأميركية. الرؤساء الثلاثة: فلاديمير بوتين وحسن روحاني وطيب رجب أردوغان المجتمعون حالياً وسابقاً ولاحقاً يبحثون مستقبل سوريا، فماذا عن «رئيس» سوريا بشار الأسد؟

الأسد هو الغائب الكبير، لا شيء سيحصل عليه في القرارات النهائية المُعلنة وحسب النص الرسمي، ما زاد على ذلك عليه أن يطلبه. ربما من منطلق التحالف وطلباً لاستمراره ستبلغه طهران بما لم يُعلن، في حين أن «القيصر» بوتين الذي أصبح يوصف في واشنطن بـ «الداهية» لن يعلمه بما يُخطط حتى بما يتعلق بمستقبله لأنه يعرف جيداً أنه سيخرجه إذا لم يتناسب مع طموحاته.. ولا أن لدى بوتين صورة كاملة عن طرق وأساليب الأسد في تصفية كل من يتعثر به حتى ولو كان صهره آصف شوكت.

عندما اتفق سايكس وبيكو على اقتسام الإرث العثماني كنّا الغائبين الكبار.. قيل الكثير حول مستقبل مُشرق للمنطقة ولشعوبها. في الواقع لم يكن ذلك سوى عاصفة رملية مُشبعة بالكذب والتآمر حيث ما زلنا نعيش آثار ذلك الكذب الخبيث. خلال العقود التي تلت الاتفاق وجد الإنكليز والفرنسيون ألف حجة وحجة لتنفيذ أهدافهم وفي كثير من الأحيان بأيدي أبناء من المنطقة.. حالياً الدول المجتمعة «جائعة وشرهة» وهي تعرف بلادنا ربما أحسن منا، فهي أمضت سنوات وهي تزرع وتنمي العملاء تحت تسميات مختلفة وأسماء وهمية.

جملة واحدة ألغت مسارات عديدة حتى لا يبقى لها شريك في المستقبل. قال بيان الختام: «إن صيغة آستانة هي المبادرة الدولية المؤثرة الوحيدة التي ساهمت في الحد من العنف». طبعاً لم ينسَ البيان االتأكيد على «التصدي للمحاولات الانفصالية» وفي ذلك جائزة لأردوغان على حساب الأكراد. بعد ذلك الكثير من الالتزامات والوعود لإعادة البناء، خصوصاً كما يريد «القيصر»، أي البنى التحتية حيث تكمن العقود الضخمة. في الواقع وعلى الأرض جرى ويجري تقاسم سوريا، سواء الأرض أو السلطة أو المشاريع المستقبلية.

رغم الكلام المكرر عن «العودة السريعة للمشردين (وليس المهجرين ولا النازحين وعددهم يتجاوز ١١ مليون نسمة) إلى أماكن سكنهم» كما قال الرئيس روحاني، فإن الواقع يفرض سؤالاً حقيقياً: «من يضمن هذه العودة بوجود الأسد ونظامه؟ ومن يستطيع إعادة التوزيع الديموغرافي كما كان علماً أن بقاء الملايين خارج سوريا لا يطالها فقط؟»، المشكلة أكبر من سوريا فهي تطال العراق واليمن أيضاً. في لبنان وبسبب الحروب الأهلية ما زال عشرات الألوف وربما أكثر لم يرجعوا إلى منازلهم رغم الحلول الكبيرة في الإعمار والتعويض، لأن في قلب هذه المشكلة الحياة النفسية والخوف المزدوج من النظام (خصوصاً إذا بقي النظام الأسدي بتاريخه الطويل والغني بالقمع والمعتقلات والإخفاء القسري).

يجب من الآن المطالبة الدولية الجدية، خصوصاً من موسكو، بالبحث فعلياً بمستقبل الأسد. إيران ستعمل على نسف هذه المحاولة. موسكو وأنقرة معاً قادرتان، لأن مصالحهما ليست مرتبطة ببقاء الأسد كما في حالة إيران. ما يعزز ذلك أن لا مصلحة لهما بعدم انتهاء الحرب. موسكو واعية جداً لمثل هذا الخطر. الجنرال سيرغي روسكوي رئيس العمليات حذّر في حالة عدم الحل النهائي «من وقوع حرب الجميع ضد الجميع».

استمرار التهجير، الذي طال السُنّة في سوريا والعراق يُبقي جذوة النار مشتعلة وقادرة على إحراق المنطقة لعقود.