هل يعني «إعلان» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن هزيمة «داعش» في سوريا، أن لا مبرّر بعد الآن لاستكمال النزاع في شقّه العسكري، خصوصاً أنّ آخر مواقع المعارضة في محيط دمشق سقط بسحر التسويات والصفقات والمبادلات النفوذية والمكانية وليس بفعل الضغط الميداني، قصفاً وحصاراً.. أي تماماً مثلما حصل في شرق حلب؟! علماً (بالمناسبة) أنّه لم يُسجَّل أي وجود لهذا الـ«داعش» في المكانَين المنكوبَين!

أم أن الإعلان المتحفّظ عن تلك الهزيمة، برغم احتفاظ التنظيم الأحجية، على ما يقول بوتين، بالقدرة «على تغيير أساليبه والهجوم على دول ومناطق في العالم»، هو إعلان يلاقي (ويدعم) وجهة نظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب قواته من سوريا، طالما أنّ الحرب على الإرهاب أتمّت أو تكاد، جلّ معاركها بنجاح من الموصل إلى الرقّة؟!

أم أن الأمر غير ذلك تماماً (وهو الأرجح). بمعنى أنّ بوتين متوجّس في العمق من احتمال تنفيذ قرار «ترامب»!.. وتركه بالتالي «وحيداً» في مقاربة النفوذ الإيراني المتنامي في سوريا! وهو الذي نجح تماماً في لعب دور همزة الوصل بين «أعداء» ومتناحرين. وتمكّن من ضبط الإيقاع تحت سقف مراعاة خواطر ومصالح الجميع. واستطاع لجم جموح طهران نحو «الحسم العسكري» متسلّحاً بالاحتمالات المفتوحة لذلك، والتي تعني، من بين معانيها، الاصطدام بالأميركيين من جهة، والإسرائيليين من جهة ثانية، وربما الأتراك في الشمال، من جهة ثالثة؟!

غريبة المعادلة القائمة راهناً، لكنّها واقعية: الروس تحالفوا مع الإيرانيين لحماية مصالحهم ومنع سقوط بقايا السلطة الأسدية، لكنّهم اتّكلوا على «منافسيهم» المفترَضين في أميركا وإسرائيل وتركيا من أجل لجم هؤلاء الحلفاء الصعبين! وتخفيف حماوة الرؤوس الكبيرة لقادتهم في طهران! وتمكّنوا من ذلك بأقل الأضرار الممكنة وبطريقة حاسمة!

قرار ترامب يكسر هذه المعادلة (نظرياً حتى الآن!) ويفتح الباب على احتمالَين سيّئَين لموسكو: الأول هو أن تستفيد إيران على الأرض من غياب الرادع الأميركي وقواعده المتمركزة على طريق «الهلال» الممتد من طهران إلى شواطئ المتوسط، وأن تعمد فوراً وعلى طريقتها المألوفة، إلى تعبئة الفراغ بميليشياتها المذهبية الآتية بها من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان! وأن تدعّم حضور «مستشاريها» برعاية قاسم سليماني.. وأن تتبخّر بالتالي نكتة «الحل السياسي»، المدّعى.. حتى لو كانت نكتة وسوداء!

والاحتمال الثاني، هو أن يُسبّب قرار الانسحاب، استنفاراً استثنائياً عند الإسرائيليين وصولاً إلى تثبيت قرار «الحرب» المباشرة، على النفوذ الإيراني وأدواته على الأرض السورية وصولاً (ربما؟!) إلى الأراضي اللبنانية!

في الموقف الروسي من قرار «الانسحاب» الأميركي الراهن، شيء من الموقف السوري من الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام ألفين: أضراره تفوق مكاسبه! برغم الظواهر «الانتصارية» التي يفرزها! بحيث أنّه مثلما خسر حافظ الأسد أوراقاً خطيرة في المفاوضات مع الإسرائيليين وصولاً إلى تلاشي فرص نجاحها، فإنّ بوتين سيخسر دور ضابط الإيقاع وصورة القادر على شنّ الحرب وصنع التسوية في الوقت نفسه.. عدا أنّه قد يجد نفسه أمام لحظة حرجة: الاختيار بين «أصدقائه» الإسرائيليين، أو «حلفائه» الإيرانيين!

.. وهذا الكلام يُرى على وقع تردّدات واحدة من أغرب مواقف الرئيس الأميركي، حتى لو كان ذلك الموقف ممهوراً بالابتزاز المالي المعلن والسافر.. والمُحزن!

علي نون