المخرج اليوناني الأصل غوستا غافراس الذي اشتغل مع كبار الممثلين الأوروبيين والأميركيين، مثل رومي شنايدر، وجان ليمون، وجون ترافولتا، وجوين هاليداي، وترانتينيان، أصدر قبل أيام «مذكراته» "اذهب حيث من المستحيل أن تذهب". إنه مصير مهاجر (يوناني) ولد عام 1933، وجاء إلى باريس ليمارس دروسه، ليكتشف السينما بفضل هنري لانغلوا شارع أولما في السينماتيك، الذي يترأسها اليوم. وكشف مواهبه على الورق أيضاً، كرواية مميّزة حيث السخرية أحياناً تمتزج بالحزن.

بمناسبة صدور مذكراته أجرت معه مجلة "لوبوان" مقابلة، هنا ترجمتها.

*******************************

* لماذا اخترت عام 1954 فرنسا؟

- كانت الضرورة الأولى الهروب من اليونان. كما اليوم، الشباب اليوناني بلا مستقبل ولا رؤيا ويذهبون الى أماكن أخرى. كان ذلك غداة الحرب الأهلية، التي كانت فيها البلاد في وضع مخيف. والدي، كان ضد الملكيين، قاوم إلى جانب اليسار. وكان يُعتبر شيوعياً. وفي تلك الفترة، كان ذلك يمنعني أن من أتسجل في الجامعة. وكنت أعرف أن الدراسة في فرنسا مجانية. وحالاً، قررت أن أعيش وأهرم في فرنسا. وباتت جذوري، منذ ذلك الوقت، هنا.

* بدأت في نهاية 1950، وكانت الموجة الجديدة قد بدأت..؟

- بدأت كمساعد مخرج مع رينر كلير، وكذلك مع هنري فيرنوي، وجورج كلوزو. وكنت محظوظاً كثيراً.. وكنت أجايل مخرجِي الموجة الجديدة، ومعجباً بأعمالهم، لكنها حركة تأتي عميقاً من الثقافة الفرنسية التي لم أكن أمتلكها. لا أستطيع أن أكون غودار، أو مال، أو تروفو... وكانت مشكلتي، لدى وصولي إلى فرنسا، هي النجاة بروحي، ولم تكن تلك حالهم.

* فيلمك الأول "Cpouarinets Lueurs"، تمّ، رغم ذلك بطاقم مدهش...

- نعم، طلبت سكرتيرة، كانت تحبني كثيراً، أن تطبع السيناريو، وأرسلته إلى منتج أحبه. في تلك الفترة، كان المشاركون، المخرجون هم يتولون الطاقم، وكنت محظوظاً بمعرفة كل هؤلاء الممثلين، وبعضهم لم يكن بعد معروفاً، انضموا إلى الفيلم: ايف مونتان، سيمون سينيوريه، ترانتنيان، وجاك بيران وشارل دينير.. طبعاً، كان ذلك أسهل لكن الأفلام كانت رائجة جداً. اليوم، كان التمويل الذي يأتي من خارج السينما، خصوصاً من التلفزيون، يخلق رقابة ذاتية. حتى وإن كنت أعتقد أن هناك سينما نسائية تغامر أكثر من سينما الرجال، تلك التي تحققها، شابات، مثل سيلين سياما أو إيمانويل بركو.

* كيف رأيت قضية وينستاين وموجة "وأنا أيضاً"؟

- اعتقد أنها حركة أساسية. وعلى الحركة أن تستمر. حتى ولو مرّت ببعض التطرف في البداية، علينا أن نلجأ إلى القانون.

*مع هذا فالسينما كانت تحت نيران النقد لأنها برمجت تكريمات لبولنسكي وبريسون؟

- وقعت في غير محلها. فاسترجاع قضية بولانسكي كانت منتظرة قبل أشهر. وفي لحظة انفجار ذلك، اكتشفت أنه بعد شهرين، تمت برمجة بريسون... لكن هذا يفتح جدلاً جديداً، ضرورياً: ماذا نفعل بالأعمال ومبدعيها، عندما يعمدون إلى سلوك غير مقبول؟ فرغم كل شيء لا نكف عن رؤية أفلامهم. نعمل على تنظيم هذه الجدالية أثناء استرجاع أعمال بريسون.

* لكن هل يمكن التعامل مع حالة بريسون، الذي دانته العدالة، وقضية بولانسكي، أو أيضاً وودي ألن الذي قاطعه عدد من الممثلين؟

- نخلط اليوم كل شيء: كانتان، بولانسكي، وودي ألن... فقضية بولانسكي مرّ عليها أربعون عاماً، وقد غفرت له ضحيته، ومارس منذ ذلك اللحظة حياة مثالية، فليس ضرورياً وضعه دائماً في الواجهة لأنه مشهور.. مجتمعنا يحتاج الى فكرة التسامح، نعم، الحركة ضرورية، لكنها قد تكون خطرة، فلا يجب أن يسحب كل واحد مغتصبه فجأة من دون براهين.

* حتى وإن تكن حالة العالم طاغية في أفلامك، فأنت ترفض أتيكيت مخرج مناضل، لماذا؟

- يقال دائماً إنني أصنع كتباً سياسية، وكأنما عندي برنامج، لكن ما يهمني أكثر من السلطة هو المقاومة، لكن اليومية "Clair de femme"، الفيلم الذي اقبسته عن رومان غاري، كانت مقاومة البؤس... أنا لست حزباً سياسياً يمتلك خطاً وبرنامجاً.

* مع هذا فقد تم تداول اسمك لرئاسة اليونان عام 2014؟

- كانت صدمة! إنه اقتراح صدر عن حزب معارض لتسيبرا.. تساءلت طبعاً.. لكنني لم أقبل.

* ألكسي تسيبرا الذي عرض عليك أن تتولى وزارة الثقافة. ماذا يوحي لك ذلك؟

- أكنّ له احتراماً كرجل سياسي. عرف كيف يحتفظ بالسلطة، حتى وإن كان عليه أن يجري صفقة غير مقبولة. فمنطق السلطة يعني أن نبقى فيها. تحتاج اليونان الى جيل جديد. آمل أن يكون في مستوى المهمة.

- وماكرون؟

- أنا موافق جداً على يقوله حول أوروبا على المستوى الاجتماعي، يمكن أن نتساءل الى أين يذهب، لكن لا نكف عن القول إن الأمور يجب أن تتغيّر.

* ما أسفك الكبير في السينما؟

- إنني لم أستطع تصوير "Le cormoron"، فقد هدّد روبرت ردفور بالرحيل ما لم أغيّر النهاية وجعلها أكثر إيجابية. فالأميركيون يعشقون "الإنقاذ" والتوبة في آخر لحظة. وهذا لو تمَّ لكنا خنّا الحقيقة التاريخية، والسيناريو الذي وضعته.

* في أحد اللقاءات مع لوي بونويل، قال لك إنه اعتزل السينما، وهذا غير مقبول بالنسبة لك، أليس كذلك؟

- صعقني ذلك، وما زال يصعقني. قال لي وكان في سنّي الآن: وداعاً أيتها السينما! بالرغم من أنه احتفظ بكل شبابه. بالنسبة إلي، اعتزال السينما غير مطروح إطلاقاً.. أناضل اليوم بسيناريو حول أوروبا والأزمة اليونانية، وسأمضي حتى النهاية.

تقديم وترجمة ب.ش.

كلام الصور

كوستا غافراس