تُعتبر الحروب الإعلامية، ركيزة أساسية في المعارك والمواجهات التي تدور بين الأعداء أو بين الخصوم، وغالباً ما ترتكز هذه النوعية من الحروب، على بث الأكاذيب والأضاليل ومحاولات تقليب الرأي العام وزعزعة الثقة التي يحظى بها العدو أو الخصم، داخل مجتمعه. قد تبدو هذه الامور مألوفة إلى حد ما في المجمتعات القريبة أو البعيدة ويُرافقها عادة استخدام لغات قاسية وخشبية، لكن أن تصل الامور ببعض هؤلاء إلى حد تكفير الآخرين بهدف كسب مزيد من الأصوات الإنتخابية، لهو أمر مُستهجن ويدعو إلى الريبة خصوصاً في مجتمع كلبنان عانى الأمرّين من هذه الذهنية وما زال حتّى اليوم يدفع ثمنها على أكثر من صعيد.

المرشح على لائحة "العزم" محمد الجسر، سار أمس على طريق هو نفسه يجهل كيفية العودة منه، وبدل أن يسعى إلى تعبيده وجعله نقطة التقاء بين كل اللبنانيين، راح يُصنّف الناس على قاعدة هذا "حق" وهذا "باطل" أو هذا "مؤمن" وهذا "مرتد"، وقد ظهرت آخر "إبداعاته" في جملة حملت الأذيّة المعنوية والأخلاقية وحتى الدينية للطرف الآخر وتحديداً عندما توجه إلى تيّار "المستقبل" بالقول "هنيئا لكم تعويذاتكم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، والعين الزرقاء". وهو يقصد بها بالطبع شعار "الخرزة الزرقاء" التي اختارها "المستقبل" كتقليد لبناني يرمز إلى إبعاد الشر عن البلد، وليس كمعتقد ديني ولا حتّى حزبي. واستمر الجسر في تقييمه للبشر على القواعد المذكورة أعلاه وتحديداً عندما تحدث عن الرئيس نجيب ميقاتي، فقال: أما نجيب ميقاتي فنذكره بقوله تعالى: "فإنك بأعيننا".

نعم هو بئس زمن إنتخابي يلجأ فيه البعض إلى ممارسة "الشعوذة" الإنتخابية بهدف كسب أصوات يعلمون مُسبقاً أنها لن تُقدّم ولن تُؤخر في صناديق ما تعودت إلا أن تحفظ العهود والوعود منذ زمن الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى حاضر نجله الرئيس سعد الحريري الذي حاول هؤلاء أمس، وضعه في خانة لا تُشبهه لا من قريب ولا من بعيد، وهو كان أوّل من دفع ضريبة الدم من بيته، في سبيل الحفاظ على البلد والعيش المشترك فيه، وتثبيت المناصفة بين جميع اللبنانيين. والسؤال الذي يرد هنا: اليس في تكفير الناس، دعوة صريحة وواضحة لهدر دمائهم؟ ألا يصب هذا النمط من التعاطي في خدمة المشاريع التي تُحاول إغراق البلد في فتن داخلية؟ ألا تخدم هذه التوصيفات، نظام الإجرام والوصاية الذي يذبح شعبه على مرأى من العالم، من دون ان يرف له جفن؟.

المؤكد أن أهالي طرابلس هم الأدرى بمصالحهم والأقدر على التمييز بين يد امتدت لهم في أصعب الظروف وانتشلتهم من الفوضى والاهمال، وبين يد كان كل همها أن تلتقط صوراً لفقراء وهم يُحاولون الحصول على "ساندويش" إنتخابي. الكلمة الأولى والأخيرة ستكون لأبناء الفيحاء الحافظين لتاريخ الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبصماته البيضاء في كل منزل وقرية. نعم هؤلاء هم أبناء طرابلس الذين سيؤكدون مجدداً أنهم من طينة هذا الوطن، يُشبهون أوجاعه وأحلامه، وينشدون الخير للغير وخصوصاً للشعب السوري الذي يُذبح يومياً على يد مُجرم مارس إبادته الجماعية بحق الأطفال والنساء، بكل ما أوتي من "عزم" وجبروت.

أمس، جاءت الردود من تيّار "المستقبل" لتؤكد أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه. ثمة من سأل جماعة "العزم" عن الموقف الذي اتخذوه يوم تفجير مسجدي "التقوى" و"السلام" على يد أذناب النظام السوري. والبعض سأل: "هل أن انتخاب الناس لمرشحي المستقبل وفوز هؤلاء في كل مكان هو وصاية على المدينة؟".نعم "بئس الزمن الانتخابي الذي يحدثنا فيه شريك آل الأسد والممثل النجيب للوصاية السورية في طرابلس عن رفض الأوصياء عليها! بئس الزمن الانتخابي الذي يحدثنا فيه من أتى على ظهر عراضة القمصان السود الميليشيوية إلى رئاسة الحكومة عن تمسكه بحصرية السلاح في يد الدولة".

ما تردّد على ألسنة "العزم"، يمكن الرد عليه بكلام كان أكده الرئيس الحريري منذ ايام من طرابلس تحديداً عندما قال: "إن مشروع تيار المستقبل أن نحمي البلد والشمال، بالعمل وليس بالكلام، بالاعتدال وليس بالتطرف، بصلابة الموقف والحكمة، وليس بالصراخ والحروب الوهمية. وبالصدق مع الناس، وليس بشراء صداقة الناس".

استقرار الشمال، أمان الشمال، إنماء الشمال، كرامة الشمال، عروبة الشمال، اعتدال الشمال، هي الأمانة التي تحملها لائحة "المستقبل للشمال" في هذه الانتخابات.

واللافت أن مواطناً طرابلسياً أمس، ردّ على ميقاتي والجسر المرشح على لائحته بالقول: بعد كل ما قدمه الرئيس الشهيد ونجله لطرابلس والشمال، وبعد كل التضحيات التي قدمها الشمال في سبيل تعزيز خط الرئيس الشهيد ولا سيما الشهيدان وسام الحسن ووسام عيد، مستذكراً الآية الكريمة: "فبأي الاء ربكما تذكران".