في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة التي فاز بها ايمانويل ماكرون بلغ عدد الممتنعين عن التصويت نحو نصف المسجّلين على اللوائح الانتخابية. مع هذا فاز ماكرون، وما زالت التعليقات والتحاليل والأسئلة جارية حول النسب العالية من الممتنعين. هذه هي الديموقراطية. في الاستفتاءات التي تُسمّى انتخابات في الدول الديكتاتورية عندنا، كان يفوز «الرئيس» المنتظر بـ99,99 في المئة من «أصوات» شعبه: من مبارك إلى «الأسدين» إلى صدام حسين الذي بلغ تأييده في آخر انتخابات مئة بالمئة، باعتبار إلى حافظ الأسد. إنها أنظمة «رئاسية» خالدة. إنها «ديموقراطية» الاستبداد. في إيران، تنظم الانتخابات على وقع ما يبقيه الولي الفقيه خامنئي «صالحاً» أو شرعياً لخوضها، من دون فيتو فقهي أو إلهي، وإذا نجح أحدهم من «خندق» المعارضة في التصويت، تزوّر العملية كلها، وهذا ما جرى عندما فاز حسين الموسوي ثم أعلن فوز أحمدي نجاد. في الاستحقاق الأميركي الأخير رسا التنافس بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، وكانت كل الاستطلاعات ترجّح فوز الأولى بنسبة 6%. تدخّلت الحرب الإلكترونية، والإشاعات، والشعبوية والفوضى الإعلامية، وفوجئ العالم بفوز ترامب.. فانقلبت الحالة. في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الأخير، كرس الحزب الحاكم كمرجع «مقدّس» محرّم على المواطنين التعرّض له من قريب أو من بعيد، فإلى «تطويب» الرئيس الحالي مدى الحياة. إنها الديموقراطيات الامبراطورية المطلقة، فوق الشبهات، وفوق النقد، وفوق المحاسبة، وفوق المتناول.

حالياً تتصدّر الاستطلاعات الأحزابُ الشعبوية في إيطاليا، واستتباب المواقع السلطوية لدى الذين يهاجمون الديموقراطية، والليبرالية، وأوروبا، والمهاجرين والإسلام، وكما هي الأحوال في المجر، وبريطانيا، وتشيكيا... إنها «الديموقراطية» المرفوضة التي تجري برضى أعدائها..

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن شعبية هؤلاء «الممانعين» تزداد، وتتصاعد على حساب الحركات والأحزاب الديموقراطية التي ما زالت تؤمن بالانفتاح والتقدّم والتنوير.. فالمفارقة، أن الذين باتت ترجح انتصاراتهم في التصويت، باسم الديموقراطية، هم ضد كل ما ينتسب إليها، من تاريخ وقيم، وحضارة، ومستقبل، وبناء علاقات متوازنة مع العالم.

الديموقراطيون تسقطهم ديموقراطيتهم، كأنما باتت كقطار فارغ، أو هيكل عظمي وأداة قديمة، لمصائر جديدة. لا أفكار، لا وعي سياسياً، أو ثقافياً، أو حوار، أو وضوح في الرؤيا.

إنها اللحظات المغلقة ينسجن فيها الجميع، بعضهم بإيمانه بالمبادئ الشعبية الأصيلة، والآخر بتهافته الشعبوي. وها هي أوروبا مُهددة بالتجزئة، والتقسيم (صحوة المشاعر القومية الاستقلالية في إسبانيا وكورسيكا وايرلندا).

ولبنان..

الكل يعرف أن لبنان قد عاش هذه التجارب الانفصامية والتقسيمية أثناء حروب الآخرين عليه منذ نهاية الستينات ولم يسلم منها حتى الآن، لتطل بأقنعة متجددة: كانتونات «مستقلة» (أو ميني جمهوريات مذهبية)، يتحكم بها السلاح، والقوى الخارجية، والتعصب، والهويات المبتورة، والعنف المُعلن.

كأنما لبنان وبلدان أخرى (كقبرص)، كانت مختبراً للتجارب التي يعيشها العالم اليوم: انعزاليات معمّمة، شعبويات مظفرة، تشكيك بقدرة الديموقراطيات على معالجة الصراعات السياسية والاقتصادية، عودات إلى موتى الماضي والأجداد «ونحن معشر الغاليين»، و«نحن معشر الفينيقيين»، و«نحن معشر الشيعة»، أو السنّة، أو المسيحيين، وكذلك رجوع إلى الخرائط القديمة، والمعاهدات الاستعمارية، إلى تقسيم المناطق، والمصائر والناس، ونهوض معزز للإثنيات والمذاهب، والأديان، ومشاعات التاريخ والجغرافيا.

حروب أهلية

أهي حروب أكثر من أهلية؟ أهي صراع حضارات، وهويات بائدة، وجذور مقتلعة، وسالف قاهر؟ كأنما الكل يعود إلى ما ليس الكل. الانخراط في الجماعات الوهمية، (كما كان الذوبان في الجماهير الإيديولوجية الشيوعية) أو بالأحرى الموت في جزر منفصلة، انقطعت جسورها..

وبدلاً من أن تكون التجارب الانتخابية، من رئاسية، وبرلمانية، وبلدية.. ونقابية مجالاً لاستدراك مثل هذه «الأقدار» اللازبة، ها هي تعمّق هذه الهلوسات النرجسية الجماعية، العبثية، والارتجاعات الطائشة، والنقائض وانطماس العقلانية، وأشكال الوعي في حدوده الدنيا.

ونظن أن كل شيء بات ذريعة لمثل هذه الاسترجاعات، حتى باتت العولمة أداة أساسية لتفكك الاقتصاد، وللانحراف إلى النوازع الانفصالية، والماضوية (البريكست مثلاً)، والعنصرية، بمواقفها ومفارقاتها والليبرالية التي كانت في الخمسينات والستينات بوصلة للحريات الفردية والحزبية والتبادل الحر، والانفتاح غير المشروط، وتقارب الشعوب باتت اليوم «بعبعاً» لمختلف الأسباب الوطنية والقومية والاجتماعية والنقابية والثقافية.. كأن كل ما صنع مجد الثورات الديموقراطية على امتداد النهضة قبل القرنين الماضيين الثامن والتاسع عشر بات بَدَداً، النكران سيد المواقف والوجهات، والتعاطي مع الواقع...

الوصايات

مَن لا يتذكر كيف كانت تجري الانتخابات الرئاسية والبرلمانية على امتداد الوصايات والاحتلالات السورية والإسرائيلية في لبنان؟ لا شيء. مناسبة، مجرد مناسبة لتأكيد تلك الوصايات نفوذها عبر صناديق اقتراع وهمية (على غرار الانتخابات في بلدان الطغاة)، ليكون الرئيس، أو البرلمان، أو الحكومة دُمى في أيدي هؤلاء. لبنان «الديموقراطي» نسبياً، فَقَدَ حتى هذه النسبية. كل ممثليه من أعلى الهرم إلى أسفله معينون. والأصوات التي تنزل في الصناديق باتت بلا حبر ولا أسماء. لكن تغير الوضع نسبياً أيضاً بعد 14 آذار، والاستحقاقان الانتخابيان السابقان سجلا تقدماً في مسار الديموقراطية، وفازت قوى ثورة الأرز، برغم الكثير من المخالفات التي ارتكبتها جماعات 8 آذار (شكراً سوريا بعد انسحاب جيشها!). عندنا اليوم قانون انتخابي جديد، يقبله البعض ويرفضه البعض الآخر، عدا التشكيك بفاعليته.. وهذه حال القضايا التي تستدعي سجالاً. لكن، وتجاوزاً للسجال حول هذا القانون يُفترض أن تبرز أسئلة عديدة، من الناس ومن المثقفين والسياسيين: لمَن علينا أن نصوّت بعدما أعلن كثيرون أن 8 و14 آذار، لم تعودا «موجودتين». اختلطت الأوراق والمواقع والاختيارات، والاقتناعات حتى التناقض، لا سيما في القضايا الحياتية، والاقتصادية، والخدمات. من الكهرباء، إلى الماء، إلى سلاح «حزب الله»، إلى دور البرلمان، إلى مدى تحقيق الوعود السابقة. فالانتخابات موسم الوعود الوردية، والشعارات البرّاقة، والبرامج المكتظة، والمشاريع العتيدة «الخيالية»، والأمن والحدود، والاستقرار، والدولة، ودور الجيش، وسلاح «حزب الله»، وانخراطه في حروب الآخرين، وتحالفاته مع القتلة، والسفّاحين، ومدمّري سوريا وتهجير أهلها بالملايين.. وتدخّل الدول في نزاعات الشعب مع دكتاتوره الصغير، من روسيا إلى تركيا، إلى إيران، إلى إسرائيل، إلى الولايات المتحدة.

إلى جانب مَن سيصوّت المواطن؟ وكيف يكون موقفه؟ وكيف يحسب مصالحه، وسلمه الأهلي، وازدهاره، وتجاوز أزماته؟ أسئلة تستدعي التمييز بين أصحاب المشاريع الخارجية، وبين الذين يؤمنون بسيادة لبنان. بين مصدري الخراب، وبين الحريصين على حماية لبنان والنأي به عما يدور حوله من حروب، بين الاتجاهات العروبية، وأعدائها. بين الساعين إلى حماية الحدود وبين منتهكيها، بين مخرّبي الدولة وبين داعميها. بين المؤيدين لبقاء سلاح الجيش وحده حارساً للوطن، وبين عازفي زجلية المقاومة. بين الدولة العادلة والديموقراطية وبين كانتونات الدويلة «المستقلة» عن الدولة الأم. بين مَن يهددون الناس بسلاحهم، وبين مَن يدعون إلى التمسّك بالمجتمع المدني بآلياته السلمية. بين الذين ارتكبوا 7 أيار، وأفلتوا ميليشياتهم على المدينة، واحتلوا أجزاء منها، وأحرقوا مؤسسات منها تلفزيون «المستقبل» وجريدة «المستقبل»، بين الفاسدين سياسياً ومالياً واجتماعياً، وبين الذين يجهدون للعمل مسلحين بصدقيتهم، ونظافة أكفّهم؛ بين مزوري الأدوية، ومروّجي المخدرات (الكبتاغون)، وبين الذين لم يسلكوا هذا الانحراف.. بين ذوي العقليات المتقوقعة، وبين المنفتحين على العالم، بين الذين يرفعون شعار «لبنان أولاً» والذين يرفعون راية «إيران ونظام الأسد أولاً»، بين محترفي القتل والاغتيالات وبين ضحاياهم، بين الذين خرّبوا الاقتصاد حتى وصل إلى مستويات خطرة، وبين الذين يناشدون العالم مساعدة لبنان، اقتصادياً وسياحياً، وأمنياً وعسكرياً. بين مَن يخرّجون «مقاتلين» (ليحاربوا بهم الشعب العربي والداخل)، وبين الذين يؤمنون بسلاح العلم والثقافة، بين الذين حوّلوا المطار والمرافئ محطات لإدخال البضائع المهرّبة الفاسدة (كاللحوم)، والمجرمين، والعملاء، وبين الذين يريدون توسيع المطار، وتعزيز قدرات المرافئ. بين الذين يؤمنون بثقافة الموت، وبين الذين يدعون إلى ثقافة الحياة. بين الذين يحتقرون الحرية والديموقراطية، وبين الذين ينادون بهما، بين محترفي الحروب خدمة للخارج، وبين محترفي السلم الأهلي. بين الذين يرون الانفتاح الحضاري هوية للبنان، وبين الذين يبنون جدران الانعزال، بين مدمني الكراهية والحقد والانتقام، وبين المبتعدين عن هذه المشاعر. بين شبيحة القمصان السود الذين استعرضوا أسلحتهم لإسقاط حكومة سعد الحريري، وبين الذين يلوذون باللعبة الديموقراطية. بين ممانعي «الصراع السياسي» بالأفكار والمشاريع، وبين ملغي هذا الصراع، بتأكيدهم أن الهوية الطائفية هي محور كل صراع..

لحظة المحاسبة

إن مجمل هذه القضايا والمواقف يُفترض أن الناس عرفوها وتلمّسوها، وعاشوها، وعانوها، وها هي لحظة المحاسبة: مَن أوفى بوعوده، ومَن حَنَث بها. مَن عمل لمصلحة البلد، ومَن خان مصالحه. وهذا يتطلب مراجعة نقدية، منقشعة، وواضحة وصريحة، تستند إلى ذهنيات نقدية، تميّز بين الشعارات الشعبوية، وبين الخطب الفارغة التي تحتقر عقول الناس.

أبجديات الطائفية

حتى وإن بدت الطائفية من الأبجديات الأولى لكثير من الأحزاب، فهل يمكن أن يقبل أي لبناني مهما ادّعى «زعماؤه» أن تكون برامج العمل مجرد واجهات للمذهبية، وهل يمكن أن تستمر هذه الحالات الضاربة في تاريخنا: الطائفية تسيّرنا، وتقودنا «خبط عشواء» وتذر الغبار والوحل في عيوننا، فتصيبنا بالعماء والصمم عما يدور فينا وحولنا؟ ولنسلم جدلاً، أنه في غياب الأحزاب اليمينية واليسارية والليبرالية، من الصعب ألا يتكئ اللبناني على «طائفته» وحزبها، على الأقل كوسيلة وجود، وانخراط في الوظائف والعمل والدولة، ألا يمكن أن يكون للعقلانية، والوعي، وتفحّص الأمور الجارية، دور ما، كبيراً كان أو صغيراً، وهنا بيت القصيد: أن تنتمي إلى طائفة ما أو إلى ديانة أو إلى حزب شيء، وأن تعطّل كل وسيلة متبصّرة، تجعلك على الأقل، تحافظ على الحدود الدنيا من الاختيار العقلاني؟ فالانتماء إلى الطوائف والمذاهب أمر طبيعي في لبنان، لكن الطائفية العمياء التي تجعل الناس تسير عكس مصالحها حتى الشخصية، وعكس بناء دولة تحضنهم وجيش يحميهم، وازدهار ينعشهم، فهي مرضية. الطائفية هي أصلاً ظاهرة «شعبوية» ترتد على أصحابها قبل أن تدرك سواهم. ومن لا يعرف ماذا فعلت الطائفية بلبنان، من حروب، ودمار وتقسيم ومجازر وانتماءات خارجية؟ إذ ليس من الضروري أن يلجأ المنتمي بإيمان إلى طائفة أن يكون عبداً للخارج ليحميه، أو عميلاً له ليحقق الغلبة على سواه..

إن هذه الانتخابات، في قانونها الجديد، (وأياً كانت المآخذ عليه)، مناسبة مهمة وأساسية لاختيار من يراه المواطن مناسباً لهذه اللحظة التاريخية من بلده، المشوبة بالمخاطر، والمصائر، والحروب، لكي لا يتهم بأنه المسؤول (كشعب) لأنه أخطأ في الاختيار، أو لأنه استقال من دوره كمواطن ينتمي إلى وطن، ودولة، ومؤسسات.

ولنقل بصراحة: إذا بقي التصويت قائماً على أساس المذهبية، من دون استخدام العقل السياسي، فلن يكون مسؤولاً عما يحدث بعد ذلك.. بل الشعب!

فهو الذي اختار، وقرّر، وأيّد، وأنجح، وأسقط. أتريدون الديموقراطية، إذاً، انتسبوا إليها، أي انتسبوا إلى العقل وهو البوصلة الوحيدة لخلاصكم وخلاص هذا الوطن.

بول شاوول