من عادة المنازلات الانتخابية ان تكون حامية. لكن قصة هذا الاستحقاق العتيد مع الحماوة مزمنة ومتقطعة على مراحل. حماوة لإعداد قانون انتخابي جديد بعد ربع قرن من ازمة متواصلة عنوانها الاجماع على تطلب قانون انتخابي حديث يُحدث نقلة نوعية في فضاء التمثيل السياسي والاختلاف الواسع بين القوى لجهة تحديد خواص هكذا قانون. وحماوة للانتهاء من خمس سنوات تمديد لمجلس 2009 ظلت حتى اقتراب امد الاستحقاق ترتاب لجهة حصول بعد كل هذا التأجيل، وكل هذا الدوران حول نقطة قانون الانتخاب، ثم حول تجهيز الدولة والناس للقانون الجديد. وحماوة في الوقت الحالي لتشطيب وضع اللوائح بعد ان اعتمد القانون النسبي على قاعدة لوائح مقفلة وصوت التفضيل.

الحماوة الحالية، وانفعالية الايام الاخيرة قبل انتهاء موعد تسجيل كل اللوائح، تختلف بالضرورة عن حماوة ما بعد اتضاح مشهد المواجهة الاجمالي على صعيد كل لبنان وعلى صعيد كل دائرة في الاربعين يوما الفاصلة بين تسجيل اللوائح وبين الاحتكام للصناديق. بالتوازي، اشكال الحماوة الحالية انها ترتبط بعكس المتوخى اصلاً من قانون نسبي. الغاية من النظام النسبي تكون عادة رفع تسييس الاستحقاق، اللوائح فيه مقفلة لان كل واحدة تعبّر عن خيار سياسي مختلف عن اللائحة الاخرى. اما القانون الحالي فنسبيته تسبح في الاتجاه المعاكس تماماً لهذا. حيث ان اللوائح المقفلة تضم كل واحدة منها نقائض في السياسة الى حين اعداد اللوائح، ومن دون وضوح الاساس البرنامجي الذي على اساسه ينضوي جمع في لائحة. الغاية من اقفال اللائحة هنا ليست بلورتها على قاعدة الانسجام السياسي بين اركانها، وانما على قاعدة الانسجام الحسابي بين مبدأ اللائحة المقفلة بحد ذاته وبين حسابات ورهانات الصوت التفضيلي. اللائحة مقفلة لكن التنافس يبقى سيد الموقف في العديد منها. وليس التنافس هنا في كثير من الحالات بسياسي مزمن، بقدر ما هو في خطة انتزاع المقعد النيابي.

بيد ان المشكلة ليست تقنية فقط. الحماوة الآن تترافق مع قلة الرغبة في المناظرة بالعقل والدليل، وقد يقول قائل انه يمكن ان تعتدل هذه الحال بعد ترسيم اللوائح، لكن "المكتوب يُقرأ من عنوانه" هنا الى حد بعيد: في الاستحقاق الحالي الكلام في السياسة مؤجل لصالح المماحكات، ذلك ان اي كلام جدي في السياسة بين فريقين خصمين او مختلفين ينبغي ان يكون محوره تظهير الكيفية التي يرى كل منهما فكرة الدولة. اذا كان فريقان يتبنيان نفس الفكرة حول الدولة يصبح من غير المفهوم حينها عدم تلاقيهما انتخابيا، او عدم وضع سقف لاي تناقض ثانوي انتخابي آني بينهما. اما اذا كان هذا التناقض الانتخابي يعكس اختلافاً حول الدولة، اي فكرتين مختلفتين لماهية هذه الدولة والسبيل الى اعادة النهوض بوظائفها المعطلة او المضعفة في لبنان، فلهذا ترتيب سياسي آخر.

يتحدث الجميع اليوم عن النهوض بالدولة. ليس بديهياً مع هذا ان المسمّى الذي هو الدولة هو واحد مشترك في ما بينهم. موضوع الدولة نظري الى حد كبير، لكنه موضوع سياسي اساسي ايضاً. اذا كانت الفكرة عن الدولة انها تزيد وتنقص، وان وظائفها تنمى بالمراكمة وبتوطيد معاني الشرعية الدستورية فيها، فهذا شيء، واذا كانت الفكرة عن الدولة انها اما موجودة بالكامل او معدومة بالكامل فهذا شيء آخر تماماً.

كثير هو استخدام مصطلح الدولة في الثقافة والخطاب السياسيين في لبنان، وقليل العمل على اخراج هذا المصطلح من التجريد الى المعنى، النظري والملموس في آن. واليوم، اذا كان جزء من مفارقات تشكيل اللوائح في ظل تراجع التسييس مسؤولة عنه طبيعة القانون، فإن الجزء الآخر من تراجع التسييس مسؤول عنه تأجيل النقاش الجدي حول مفهوم الدولة .. هناك طبعاً الخلاف بين خطاب 14 آذار وبين "حزب الله" حول هذا المفهوم، لكن هناك ايضاً الحاجة للاعتراف، بأنه طيلة تجربة العمل الجبهوي لـ 14 آذار لم يطرح، لا فكرياً ولا سياسياً، بالشكل اللازم، ما المقصود فعلاً من هذه الدولة المراد العبور عليها، وعلى اي اساس تحويل التلاقي على مناهضة الوصاية السورية او تغلبية "حزب الله" الى تلاقٍ ايجابي فعلي وراسخ مبنيّ على تقاسم فكرة مشتركة حول الدولة. هل هي دولة تزيد وتنقص، وبالتالي ينبغي تنمية وجودها كدولة، او هي دولة اما موجودة بالكامل او معدومة بالكامل، وبالتالي يمكن التضحية ببعضها ان لم يتأمن كلها، او هل هي مزيج من هذه وتلك، بكل مخاطر العبثية لو ذهبنا في هذا الاتجاه؟

تأجّل هذا النقاش لسنوات، ونحن ندفع اليوم ثمن امتناعه حتى الآن، لكنه نقاش بات يفرض نفسه اكثر من ذي قبل، ولا بد من الحرص على الخوض فيه، في مستوييه المختلفين الى حد ما، مستواه في الفكر السياسي، ومستواه في المنازلة السياسية، والانتخابية منها بامتياز اليوم.