منذ سبعة أشهر، لم تكن منى فضل الله، والدة التوائم الستّة الذين وُلدوا أول من أمس في «مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي»، تخطّط للإنجاب، بل على العكس كانت تخضع لعلاج لعدم الإنجاب في الوقت الحالي خصوصاً وإن لديها 4 أطفال ذكور، تتراوح أعمارهم بين 12 سنة وسنتين وأقل من السنة، لكن حياتها انقلبت رأساً على عقب بعد أن عرفت أنّها حامل بالتوائم، وما رافق ذلك من مسيرة شاقة مليئة بالصعوبات والمخاطر.

منى التي كانت تحضّر لإنهاء رسالة الدكتوراه، وتنتظر بداية السنة الدراسية المقبلة لتسجيل ابنها الأصغر كي تنصرف إلى العمل خارج المنزل، تروي في حديث مع «المستقبل» حيث كان الفريق الطبي يحضّرها لرؤية توائمها للمرة الأولى أمس، عن شعورها الذي «لا يوصف. لا أعرف كيف أصف حالتي. أشعر أنني فرحة ومتفاجئة. شعور غريب أن ألد 6 أطفال دفعة واحدة. شعور الفرح ممزوج بالقلق من المستقبل، لكنني الآن أريد أن أعيش كل لحظة بلحظتها، وأنا أعرف أن ما ينتظرني من مسؤولية وصعوبة في رعاية وتربية الأطفال العشرة ليس بالأمر السهل، لكن يجب أن ننسى الجانب السلبي في الحياة ونفكر دائماً بالايجابيات».

وتتابع منى (التي لا تزال في المستشفى مع إمكانية المغادرة إلى منزلها غداً الجمعة) حديثها عن المسيرة الصعبة التي مرت بها، لكن في الوقت نفسه تشعر بالفخر بما قامت به، وما قدمته من تضحية وتحمّل كل الأوجاع للوصول إلى هذه النهاية السعيدة خصوصاً وأنّ حالتها نادرة على صعيد العالم، مرجّحة «أن يبقى أطفالها في المستشفى شهراً على أقل تقدير حسب تطور حالتهم الصحية».

وإذا كانت والدة التوائم الستّة منى تتحدث في فراشها بصوت خافت يبدو عليه إرهاق سبعة أشهر ألم وآثار عملية قيصرية معقّدة، فإن الوالد يوسف فضل الله يتنقل بين زوجته وتوائمه الذين يخضعون لمراقبة من قبل الطاقم الطبي في حاضناتهم الزجاجية، ويعبّر عن فرحته بما جرى معه ومع زوجته: «لا يمكنني إلا أن أشكر الله على هذه النعمة التي ميّزني بها عن غيري. إنها مفاجأة جميلة»، لكن يوسف لا يخفي قلقه من المستقبل إذ إنّ مصاريف 10 أطفال «تقطع الضهر» مهما كانت الحالة المادية جيدة، وسرعان ما يمازح، قائلاً: "صار بدنا مموّل خاص، وهلّأ بدّي اشتري «فان» كي أقلّهم إلى المدرسة، وصار بدنا نشتري كل غرض مضروب بستة. يعني صار بدي بـ1500 دولار حليب وحفاضات كل شهر"، ثم يضحك، ويقول: «يعني عندي ورشة بالبيت من شراء أسرّة وتغيير ديكور، ما يتلاءم مع وجود 6 أطفال بنفس العمر إلى جانب الأربعة الآخرين». لكنه يلفت إلى أنّ «وزير الصحة غسان حاصباني قام بواجباته بالنسبة لتكاليف الحاضنات في المستشفى، والوزارة وقفت إلى جانبنا وتساندنا كما تواصلنا مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وفتحوا ملف للأطفال التوائم، وهم مهتمّون بالموضوع».

ويروي فضل الله قصة الحمل وما رافقها من صعوبات خلال 7 أشهر، فيقول: «لم نكن نريد أطفالاً في الوقت الراهن، لكن الحمل حصل، وعندما ذهبتْ زوجتي إلى الطبيبة، قالت لها إنها حامل بثلاث توائم، لكن بعد 11 أسبوعاً من الحمل، قصدنا مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي، وبعد أن طلب الطبيب صورة الـEcho لزوجتي، تبيّن أنها حامل بـ6 توائم «فكانت الصدمة لكن بعد فترة قصيرة استوعبت أنا وعائلتي الموضوع»، مشيراً إلى «الصعوبات الكبيرة التي تخطتها زوجتي التي تمكث في المستشفى منذ شهر، والطبيب يتابع حالتها بشكل دقيق وبمهنية عالية، ونجح في إبقاء الحمل إلى الشهر السابع».

وكشف «أنه اختار أسماء الذكور من بين التوائم الستة: الياس وريان وجاد. أما الفتيات، فلم نختر أسماءهنّ حتى الآن»، معبّراً عن فرحته بالتوائم الفتيات الثلاث إذ إنه أب لأربعة ذكور، واليوم رزقه الله بـ"3 بنات و3 صبيان".

أما الطبيب الأخصائي في التوليد والجراحة النسائية، طب وجراحة الجنين داخل الرحم، نديم الحجل الذي تابع حمل منى فضل الله، فقال: «إنها حالة عالمية نادرة إذ إنّ الحمل كان طبيعياً، والأم لم تتلقّ أي علاج أو أي تلقيح اصطناعي. الحمل لم يكن مخططاً له، والأم لديها 4 أطفال، 3 من بينهم ولدوا بطريقة قيصرية، وهذا ما يزيد على الموضوع غرابة ومخاطر إذ إن الرحم تعرّض للجروح 3 مرات، وفي الحمل الأخير كان يحمل 6 توائم حيث كان من الممكن أن يفتح الجرح القديم ويخرج الأطفال من الرحم إلى البطن، ما يهدد حياة الأم والأطفال». لذلك كان الطريق صعباً وخطراً، لكن استطعنا الوصول إلى ما وصلنا إليه، بفضل المتابعة الحثيثة والدقيقة للأم وأطفالها، وقمنا بكل الجهود لإنقاذ الأم والأطفال مع العلم أن صحة الوالدة كانت أولوية، لكن كنا أيضاً نريد أن نصل مع الأم والأطفال إلى خط النهاية السعيد، لذلك قمنا بتعيين موعد العملية في 13 آذار 2018، لأن الرحم لم يكن باستطاعته التحمل أكثر، وأصبح هناك خطر من المضاعفات، والتوائم كانوا أصبحوا بصحة جيدة ويمكنهم أن يعيشوا بمساعدة طبية، لذلك تمت العملية، والأهم أن الأم كانت بصحة جيدة واستطاعت الاستمرار بهذه المسيرة الشاقة نفسياً وجسدياً».

ويلفت الحجل إلى أن «كثيراً من الناس كانوا يقولون للأم بأنه يجب أن تخسر عدداً من التوائم أو يجب إيقاف الحمل لأن ذلك يضعها في دائرة الخطر، لكن عندما شرحنا الحالة للعائلة بإيجابياتها وسلبياتها، وإننا سنقوم بالمستحيل للمساعدة، كلنا توافقنا أن نسير بهذه المسيرة سوياً، يداً بيد مع الأب والأم والطاقم الطبي بأكمله حيث أدى كل فرد دوره على أكمل وجه»، مشدداً على أنها «حالة عالمية نادرة إذ إنّ عدد الحالات المماثلة في العالم لا يتخطى أصابع اليد الواحدة، والحمل بـ6 توائم أو 8 توائم يكون في 99 في المئة من الحالات نتيجة التلقيح الاصطناعي لكن حالة الحمل عند منى كانت طبيعية ولم يكن مخططاً لها»، وأشار إلى أنه «في هذه الحالة هناك خطر كبير من الإجهاض التلقائي، لذلك قمنا بالإنجاز إذ تمكنا من إيصال كل الأطفال إلى الشهر السابع وصحتهم جيدة، ولم يتطلبوا إنعاشاً، فهم يواجهون الآن المصاعب التي يواجهها أي طفل ولد في الشهر السابع أو قبل أوانه» وهما تكمن أهمية العمل الجماعي.