لندن - مراد مراد

أقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس بشكل مفاجئ ومن دون سابق إنذار، وزير خارجيته ريكس تيلرسون، معلناً استبداله على رأس الديبلوماسية الأميركية بمدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي اي آي) مايك بومبيو، وكذلك قام بتسمية امرأة لإدارة الوكالة لأول مرة في تاريخها، هي جينا هاسبل التي كانت تشغل منصب نائب مدير الوكالة.

وستنظر إيران بقلق شديد حيال هذا التغيير الكبير في أحد أبرز مناصب الإدارة الأميركية، ولا سيما أن بومبيو يُعتبر صقراً متشدداً للغاية في كل ما يتعلق بإيران سواء ملفها النووي أو نفوذها المتعاظم في الشرق الأوسط وأطماعها التوسعية فيه.

ويرجح المراقبون أن لا يتردد بومبيو في مباركة أي قرار من ترامب بسحب واشنطن من الاتفاق الدولي الموقع مع إيران بشأن برنامجها النووي، وهذا الواقع المستجد حتماً سيزيد من الضغوط على الدول الأوروبية لكي تستجيب لرغبة الرئيس الأميركي في إدخال شروط جديدة على الاتفاق النووي تأخذ في الاعتبار: أهمية الحد من التجارب الصاروخية الباليستية التي يقوم بها النظام الإيراني، وضرورة وقف دعمه وتمويله التنظيمات والجماعات المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط مثل حوثيي اليمن و«حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.

وبرغم أن التكهنات كانت تحوم حول مدى قدرة تيلرسون على الاستمرار في منصب وزير الخارجية بسبب التباعد في وجهات النظر بينه وبين ترامب في ملفات دولية عدة بارزة أولها الملف النووي الإيراني، إلا أن توقيت الإقالة جاء مباغتاً، إذ إن تيلرسون وصل لتوه من جولة في دول أفريقية عدة، وفي آخر مرة سُئل فيها عن استمراريته في منصبه قال إنه سيبقى فيه حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير. وتعليقاً على هذه الإقالة المفاجئة قال نائب وزير الخارجية (حتى ظهر أمس) ستيف غولدشتاين «لم يتحدث الوزير تيلرسون مع الرئيس ترامب، وهو بالتالي لا يعلم سبب إقالته من المنصب. لكنه ممتن لأنه منح فرصة خدمة الأميركيين بصورة عامة، وما زال يعتقد بقوة أن الخدمة العامة دعوة نبيلة». لكن غولدشتاين طرد أيضاً من منصبه هو الآخر بعيد تصريحاته تلك، فقد أصدرت وزارة الخارجية بياناً أعلنت فيه إقالة غولدشتاين من منصب نائب وزير الخارجية.

وبداية اعتقد الجميع أن القرار الرئاسي بفصل تيلرسون اتخذ بتنفيذ فوري، لكن تيلرسون ألقى كلمة وداعية عصر أمس من منبر وزارة الخارجية بدا فيها متجهماً جداً، وأكد أنه سيبقى في منصبه لتسيير الأمور حتى 31 من الشهر الجاري، وقال «من المهم الآن ضمان الانتقال المنظم والسلس خلال هذه الفترة، فالبلاد لا تزال تواجه تحديات كبيرة في السياسة الخارجية والأمن القومي». وقال إنه «تلقى اتصالاً من الرئيس ترامب» بعد التغريدة التي أعلن فيها الرئيس إقالته على تويتر. وعلى ما يبدو أراد ترامب من هذا الاتصال إفساح المجال لتيلرسون كي يتنحى عن منصبه بهدوء وكرامة في آخر الشهر الجاري. ونصح تيلرسون روسيا بتغيير سياستها الحالية لأنها سترتد سلباً على شعبها وستجعلها تدخل عزلة دولية أكبر. وتناقلت وسائل الإعلام الغربية أن كبير موظفي البيت الأبيض جون كيللي اتصل بتيلرسون بادئ الأمر وأبلغه بأن يترقب تغريدة بشأنه من الرئيس ترامب، لكنه لم يطلعه على فحوى التغريدة. وبعدما غرد ترامب إقالة تيلرسون من منصبه، عاد الرئيس وتحدث إليه لاحقاً وقد اتفقا على ما يبدو أن يستمر في المنصب شكلياً حتى انقضاء آذار الجاري.

وصباح أمس قبيل مغاردته البيت الأبيض كي يزور كاليفورنيا لرؤية النماذج الأولية لجداره الحدودي مع المكسيك، قال ترامب للصحافيين «لقد تحدثت عن موضوع تيلرسون منذ مدة. فعلى الرغم من أن الكيمياء بيننا كشخصين جيدة إلا أن لنا آراء مختلفة حيال العديد من الأمور». أضاف «عندما ننظر إلى الصفقة الإيرانية: أعتقد أنها فظيعة، بينما هو يعتقد أنها مقبولة. أردت الانسحاب من الاتفاق النووي أو تعديله لكن تيلرسون كان له رأي مختلف بشأنه».

وختم الرئيس الأميركي مشيداً ببومبيو «مع مايك، لدينا أفكار متشابهة جداً، ولهذا أعتقد أنه سيقوم بعمل جيد للغاية». وكان تيلرسون جادل رئيسه بشدة محاولاً إقناعه بأن الولايات المتحدة يجب أن تلتزم بالاتفاق الدولي المبرم منذ عام 2015 مع طهران من أجل تجميد أنشطتها النووية. أما بومبيو فكان مثل ترامب مناهضاً بقوة للاتفاق.

وينظر إلى بومبيو (54 عاماً) وهو خريج «وست بوينت» (الأكاديمية العسكرية) و«هارفارد» والنائب السابق في الكونغرس عن ولاية كنساس، على أنه أكثر ولاء لترامب من تيلرسون الذي كان يشغل منصب إدارة شركة نفطية قبل أن يوليه الرئيس الأميركي وزارة الخارجية. وفي بومبيو قال ترامب أيضاً «لقد عملت مع مايك بومبيو الآن لبعض الوقت. لديه طاقة هائلة، ويتمتع بذكاء هائل، نحن دائماً على الموجة نفسها. إن العلاقة بيننا جيدة جداً، وهذا ما أحتاج إليه في وزير الخارجية. وأتمنى لريكس تيلرسون كل ما هو جيد، وأنا أعتقد أنه سيكون أكثر سعادة الآن».

وتوترت العلاقة بين ترامب وتيلرسون منذ الصيف الماضي بعدما وصف وزير الخارجية في أحد مجالسه الرئيس الأميركي بـ«المعتوه والسخيف»، ويبدو أن ترامب تحين الفرصة المناسبة للانتقام واقتنصها أمس. كما كان من اللافت أيضاً أن قرار إقالة تيلرسون جاء بعد ساعات قليلة من اتصال دار بينه وبين وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون وتمحور حول اتهام بريطانيا لروسيا في محاولة اغتيال الجاسوس المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته في مدينة سالزبري الإنكليزية في الرابع من آذار الجاري.

وأعرب تيلرسون في تصريحات عقب الاتصال ان «الولايات المتحدة تتضامن مع بريطانيا تماماً في هذه القضية وقلقة من توجه روسيا نحو أعمال أكثر عدوانية». واعتبر أنه «من أوكرانيا إلى سوريا - والآن المملكة المتحدة - لا تزال روسيا تُشكل قوة مزعزعة للاستقرار في العالم، وتعمل بتجاهل صريح لسيادة الدول الأخرى وحياة مواطنيها. نحن نتفق على أن المسؤولين - سواء أولئك الذين ارتكبوا جريمة سالزبري أو الذين أمروا بها - يجب أن يواجهوا عواقب وخيمة بشكل مناسب».

لكن كلام تيلرسون ناقض ما صدر عن الناطقة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز التي رفضت اتهام روسيا قبل أن ينتهي التحقيق.

وفي أول تعليق له على تلك الحادثة قال ترامب «سأتحدث مع رئيسة الورزاء البريطانية تيريزا ماي في هذا الموضوع، إنهم يعتقدون أن روسيا تقف وراء الاعتداء. وعندما تبلغنا حقائق عما جرى وننظر فيها ونتأكد منها عندها سندين روسيا أو أي طرف آخر يثبت تورطه في هذا الاعتداء». هذا، وكشفت مصادر من داخل البيت الأبيض لوسائل الإعلام أن الخلاف بين ترامب وتيلرسون «ليس على ملف واحد أو ملفين، إنما في أغلب الملفات، وقد اصطدما مجدداً حول توقيع ترامب فرض رسوم جمركية مُشددة على المعادن المستوردة من الاتحاد الأوروبي».

رسمياً، وإثر إقالة غولدشتاين، يشغل حالياً منصب نائب وزير الخارجية الأميركية بالوكالة وبشكل موقت جون سوليفان (59 عاماً)، الذي سيستلم مكان تيلرسون أيضاً كوزير للخارجية نهاية الشهر الجاري. وسيشغل سوليفان المنصب إلى حين مرور مايك بومبيو أمام لجنة استماع في مجلس الشيوخ. وبمجرد إتمام هذا الأمر وإقرار المجلس تعيينه، يصبح بومبيو رسمياً وزيراً للخارجية الأميركية، فيما يصبح سوليفان نائباً له.

أما جينا هاسبل التي سماها ترامب لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية فتبلغ من العمر 62 عاماً، ومشهود لها بمهنيتها من قبل زملائها على مختلف أطيافهم السياسية. لكن مجلس الشيوخ قد يملك تحفظات على تسليمها المنصب لأن لديه في أحد تقاريره إفادة بأنها أشرفت على - أو أقله غضت النظر عن - عمليات تعذيب مارستها الأجهزة الأميركية على إرهابيين في سجون سرية في تايلندا إبان عهد جورج بوش الابن، كما اتهمها التقرير بأنها أمرت بإتلاف عشرات الفيديوات المسجلة عما كان يجري في تلك السجون.