في الوقت التي كانت «الجبهة الوطنية» التي أسسها جان ماري لوبان تتهيأ، مع ابنته مارين، لمحاولة تغيير اسم الجبهة، وتغيير أسسها ونمطها و«نضالها»، تصدر في باريس «مذكرات»، التي تشمل نحو نصف قرن من العمل السياسي، «متميز» بتصفية الحسابات مع «كل العالم»، اليمين واليسار، من دون أن ينسى الجنرال ديغول، وحتى ابنته التي تمردت عليه، مع حفيدته، فبدا وكأنه «الملك لير» في مسرحية شكسبير، التي صوّر فيها الملك ومآسيه بعدما تخلى عن السلطة، ووزع ثروته لأبنائه الذين تخلوا عنه وتركوه هائماً على وجهه، مصاباً بالشيخوخة والعماء... وحده!

«مذكرات» صدرت قبل أسابيع عن دار مولر في باريس من 444 صفحة.

هنا مقاطع مترجمة من مذكراته:

*******************************************

الجنرال ديغول (1945)

ذهبت للقاء شارل ديغول في تموز (1945)، في أوبري.. لألمس الرجل العظيم. لم يكن اكتسب بعد مهنة صمام الجماهير، ومرّ بوجه جامد القسمات، على شيء من التّعب، وسط الجموع المتحمّسة. شددت على تلك اليد غير المبالية بدا لي بشعاً وقال بعض الترهات على المنصة المثلثة الألوان. لم يكن لديه رأس بطل. فعلى البطل أن يكون وسيماً، مثل القديس ميشال، أو المارشال بيتان... كنت من جديد خائباً. (...).

فرانسوا ميتران (1956)

كانت الحملة قصيرة جداً، في برد الشتاء القارس عام 1955، آخر أسبوع بعد عيد الميلاد، موفداً من يوجاد (زعيم اتحاد الدفاع عن التجار والحرفيين) الذي أدخل 52 نائباً إلى البرلمان عام 1956، ضد العبء الثقيل الذي كنا نسميه «النظام» في تلك الفترة، التجمعات المناقضة، التي صارت نادرة بعد 1968، كانت رائجة. ذهبت إذن إلى نيفير، حيث كان ميتران يدير تجمعاً نهائياً في المدينة. المسألة أن اليوجاديين كانوا يشكلون ربع الحضور. ذلك أن الأقسام المحلية كانت نظمت حملة ضد وزير الحملة القديم من مستوى ثقافي رفيع حول موضوع: «الحقير، اللص، القذر». هو أجاب حول الموضوع «الفاشيين»، هذا كان دائماً مستوى حملات الجمهوريين، يتربعون على قمة الأهرام أعلى بعشرات الأمتار في أفضل أسلوب من أساليب 1930. وصلت مع فريقي، وهنا، يسقط مغشياً عليه«كوميديا!؟ تراجيديا؟» ومع هذا الرجل من الصعب المعرفة حمله أصدقاؤه، فاغتنمت الفرصة فتسلقت درجات الأهرام، وأقمت التجمع مكانه.

جولييت غريكو (1960)

مدهشة غريكو! خريجة سان جرمان دي بري، يعني أنها ملتزمة يسارياً، لم ترد أن توقع بيان 121 ضد حرب الجزائر بهذا العذر: «الممثلون والمغنون ليسوا أناساً جدّيين. وماذا أتى بهم للتورط في قضية على مثل هذه الخطورة؟ أظن أن اسمي أسفل البيان من شأنه أن يقلل من قيمته».

سواء كانت صادقة أم لا، فإنها وضعت الاصبع على حقيقة مهمة، معرفة أن شهرة من يسمّون اليوم «people»، ويلقبونهم بنجوم، لم يكن عندهم في تلك الفترة أي سلطة في كلامهم. كانت ترفض تطور المثقف الفرنسي الذي يناسب اليوم برنار - هنري ليفي، علماً أن إعطاء أهمية لآراء من دون اعتبار إذا كانت صحيحة أو خاطئة، لسبب وحيد، بأن الذي يبثها هو معروف، أنا حساس لهذه المسألة لأن أحكام «الشو بيزنس» غالباً ما كانت تستخدم ضدي (وضد ترامب أيضاً)، وأكنّ بعض الإعجاب للمغنية جولييت غريكو، التي عرفت كيف تلتزم الصمت على الرغم من مراقبة جواسيس سارتر وبوفوار (...).

جان ماري (لوبان)

في الوقت الذي تتهيأ فيه الجبهة الوطنية لتغيير اسمها، فإن مؤسس هذا الحزب جان ماري لوبان، ينشر المجلد الأول لمذكراته. أي مسار نصف قرن، عمد فيها إلى تصفية حساباته مع الكثيرين، اليمين، اليسار، من دون أن ننسى الجنرال ديغول... وابنته مارين، التي انتزعت منه القيادة، واستقلت حتى عن ثورته، وسؤاله، وعاملته، كما عاملت بنات «الملك لير» والدهن: النبذ، والاحتقار، والترك، بعدما تنازل عن العرش وأورثهن كل شيء.

جان ماري لوبان هو الملك لير فرنسا، لكن احتفظ بقوته، وصلابته، وسخريته ونقده لأفكار ابنته وممارساتها، التي اعتبرها خرجت على مبادئ «الجبهة»، في حين أخرجته هذه الأخيرة حتى من الرئاسة الرمزية التاريخية لهذا الحزب الذي نافس زعيمه شيراك في الانتخابات الرئيسية في الدورة الثانية. وهذا ما فعلته ابنته عندما نافست ماكرون على الرئاسة في الانتخابات الأخيرة. وكانت المواجهة التلفزيونية السيئة لها، سبب سقوطها، وتراجع شعبيتها، وتفكك جبهتها.

إنه أدرك التاسعة والثمانين، وأراد في نشره مذكراته ان يرعى الجنازات المسرحية؛ التي ليست له، بل جنازة حزبه الذي عمدت لوبان الابنة إلى محو أثره وتغيير اسمه. ولهذا جاء إصدار مذكراته عشية المؤتمر الذي يسجل تنكراً له ولاسم جبهته، يطابق في هذا المعنى إخراج مشهد تراجيدي - كوميدي. فها هو متجرد من اسم عزيز عليه، عاش في ظله، وعمل في السياسة تحت رايته. لا شيء. فهو الذي كان أباً مرتين، لمارين، وريثة حزبه، وأباً لهذا الحزب. فإذا به يفقد الاثنين. فهو جاهز للعن العقوقة، إلا، إذا وبمعجزة، اختارت المصالحة ولكنه لا يؤمن بمثل هذا الهراء، فهو غضوب من هذه المقتلة الأبوية التي ارتكبتها (أسطورة أوديب: أوديب الابن الذي يقتل والده ويضاجع أمه). إنها حقاً عائلة أوديبية بامتياز. إذاً، فليسحقها ليكسر قدرية أسطورة أوديب ويصفي حسابه معها، وكسرها، كعادته، بأسلوبه الساخر، والسادي، وبخطابه العنيف المعهود.

مذكراته في جزءين، الأول صدر قبل أسبوع والثاني في كانون الأول المقبل. انهما هدية مسمومة لابنته.

الجزء الأول ينتهي عام 1972، عندما كانت ابنته مارين في الرابعة من عمرها: «يسيطر علي شعور بالشفقة عليها»! لكن برغم هذه الشفقة «المغشوشة»، لم يتم أي اتفاق بينهما، وها هو يقول «ولدت في 5 آب 1968، في الفوضى، وأظن أن أصوات تلك المرحلة أثرت فيها». ويضيف «كانت فتاة صغيرة ناعمة جداً، صوتها حنون عذب»، ثم يستطرد «ليست كما هي الآن اطلاقاً».

ونجد في كتابه الذي يعبر عن قطيعته وصدر عام 1994 «يمارس لوبان دور السياسي، الساحر، يضع في الطريق القوى، يحرر الطاقات، ولا نظير له في وضع لوائح القضايا، لكن من دون أي حلول، وتحقيقها، ينذر بالفوضى الشاملة».

ومن لا يعرف في فرنسا تاريخ هذا المغامر الذين لم يمتلك سوى خطابية لاهبة، وهي هبّة طبيعية أثرت على المسارات الانتخابية النقابية الطالبية في الخمسينات.

وبعد 70 عاماً يأتي الصحافيون الأجانب يحاورون «أبا الشعبوية» ليجدوا لوبان في ترامب بالتمام والكمال. ولكن ليجدوا «البريكس» أو الشعبوي المجري فكتور أوربان، وحتى بوتين.

الجزء الأول من «المذكرات» يتمحور حول فرنسا قبل الحرب.. يصف بريطانيا بحرية وقاسية التي لا يدركها ضوضاء باريس في الثلاثينات. ولم يكن لوبان آنئذٍ بعد مسيساً، وفي عام 1944 يمضي إلى اوراي، قرب فان، ليرى ديغول «تسلل بين الجموع لرؤيته، حتى الصف الأول، وشددت على يده: وأي خيبة! تركها معلقة، مرتخية، فقد كان فوقياً، بعيداً، ومحتقراً لكل هذه الجموع التي كانت تتجمع حوله. ثم التقاه عام 1958 في الأليزيه، مع برلمانيين آخرين. لم يطلع شيء من اللقاء. فهذا الجزء يتمحور تحت إشارة «معاداة الديغولية على المستويات الاستراتيجية، الأخلاقية، السياسية».

كراهية تشبه مشاعر ميتران، الذي لطالما انتقد قسوة هذا الشخص (ديغول)، وطموحه اللامتناهي الضبابي، ورفضه مصالحة فرنسا الفيشية - المقاومة، وخصوصاً غيرته من مكانة البطل السياسي للقرن العشرين»كنت أعرف أنني لا أملك أي وسيلة للصمود أمامه، سوى أن أقوم بتمرد فكري ضده«، أنا الآن برغم سنواتي المنخفضة مقاوماً للديغولية مقاومة مطلقة. هو الحاكم حطم الامبراطورية، هو الوطني، قزم فرنسا، هو الموحّد قسم الفرنسيين (...) إنسان كبير مزيف الذي قضى وجوده بمساعدة فرنسا على أن تصبح صغيرة». (كما جاء في الفصل الأخير من كتابه.

لم يرَ لوبان من ديغول سوى الظلال على لوحة. أما الجهد الأسطوري الذي بذله لجعل فرنسا، الذليلة المحتة، من النازيين، وجعلها تجلس إلى طاولة المنتصرين، فلم يلتفت إليه. يقول لوبان «عام 1945 لم يفهم ديغول شيئاً عن تعقيدات الواقع». مديناً الاعدامات «للمتعاملين» مع النازية، ومن ناحية أخرى فإن لوبان مستعد لمسامحة كل الذي راهنوا على الجنرال بيتان «الذي لم يخلُ من الشرف بتوقيعه على وقف إطلاق النار عام 1940. لكن انصب كل الغضب على مقاومي لندن وتفاهمهم مع الحزب الشيوعي»، ويدين أيضاً انتصار»المقاومة«أي هذا الاتفاق بين الديغوليين والشيوعيين، والمسيحيين الديموقراطيين، الذي كان وراء»بلاغية التخلي عن المستعمرات«، وكأن هذه الظاهرة التاريخية لا تمتلك منطقها الخاص، الذي لم يطلع من مجرد الكلام عن الحقيقة الجديدة. الاستغناء الأخلاقي، العسكري، والاقتصادي الغربي بعد حربين بربريتين. كأن هذا الكتاب ليس كتاباً فاشستياً. بل موجز للخلاف العميق بين يمين وطني الذي يحلم بعدم ترك المستوطنات ويمين ليبرالي سبق أن انفتح على أوروبا.

لكن هذا الشاب الطموح، الذي عندما عاد من الأندوشين واستقبلته الجماهير بالتصفيق والهتاف والقبلات، انتشى وقال عندها،»في عودتي من الأندوشين، أنا شاب غاضب«، وفي هذه اللحظة خطرت له فكرة إنشاء حزب جديد، وطني وشعبي، ودينامي، أي ليعلن انطلاق مشروع»الجبهة الوطنية«. وفي 1956 أنشأها من المقاتلين، ولكنها حُلت عام 1958. ثم الجبهة الوطنية المقاتلة، ثم جبهة الجزائر فرنسية. عام 1956، كان في السابعة والثلاثين، حيث لم يتردد في الترشح على الرئاسة الفرنسية. وهذا الترشح «من أكثر أعمالي التي أندم عليها» وبدلاً من ذلك، وجد مرشحاً مجرباً أكثر منه هو جان - لوي - تكسييه - فينيسيا كور «كان كارثياً على التلفزيون» والنتيجة 5,3%. يقول عن مرشحه «كانت عنده نقطة ضعف أمام الفتيات المتبرجات والمبتذلات، إلى درجة حذقت من لائحة المدعوين ثلاث مومسات». وقد دفع لوبان ثمن هذا الفشل، الذي مر بإنشاء الجبهة الوطنية، ثم بالفشل الانتخابي في المحافظات عام 1983. يقول»لو نجحت بتأسيس الجبهة الوطنية عام 1966 لما كان هناك 1968 (ثورة الطلاب). كانت فرنسا تفتقد حركة مناضلة من اليمين الوطني لتكبح الاستيلاء على السلطة في الشارع من قبل الطلاب اليساريين«.

لكن مذكرات لوبان التي تنتهي عام 1972، لم تخض السجال حول غرف الغاز»انها تفصيل من التاريخ«، فهو لا ينكر وجودها، مما يغضب أصدقاءه، الموقعين...

ويعثر على ميتران مرتين في الجزء الأول. لكن شفوياً يتكلم لوبان عن لقائه الأخير به.

الذي جرى عام 1994 في ستراسبورغ، بعد الخطاب الأخير للرئيس الفرنسي في البرلمان الأوروبي، حيث أعلن»القومية، هي الحرب«. وانتقل ميتران إلى المكتب، وهناك رأى لوبان برفقة روبرت هرسان، فاتجه إليهما ليسلم عليهما. يقول لوبان»لميتران يّد جثة، عظيمة، فقلت له حول مديحه أوروبا «ألم تخدعنا؟».. فأجابني مبتسماً «تمكنت منك» ثم استدار نحو هرسان ليوشوشه في أذنه، وقال له «هل تتذكر في فيشي عام 1943؟»، ومن جديد يرد لوبان «يجب أخذ الحياة من الطرف الجيد. ليس مرعباً أو كارثياً أن أكون في فيشي عام 1943» وذكرناه بعبارة لكلود شايرول الذي تردد إليه عام 1949: «لوبان، كان هراء، استفزازياً جميلاً» استغرق لحظة ليجب «لمَ لا؟ استفزازي، إنه دور جميل أيضاً».

تقديم وترجمة بول شاوول

كلام الصور

1 - لوبان في مكتبه مؤخرا

2 - لوبان محارباً

3 - ولداً بين أبويه

4 - هاي هتلر!

5 -الغلاف