ليست الإيجابيات المسجّلة والمتوقّعة على صعيد العلاقات اللبنانية – السعودية إلاّ تثبيتاً للثابت وتأكيداً للمؤكد وترسيخاً للبنيان القائم منذ عشرات السنين: ما فيه خير يُعتمد. وما فيه شرٌّ يُنبذ. والمبدأ عام وبمثابة قانون لا تُعدّله الطوارئ ولا تكسره المطبّات. وهو يسري في كل شأن خارجي يهم عموم العرب والمسلمين وقضاياهم ومتطلباتهم، والتحديات الماثلة أمامهم في كل حين.

ولبنان في ذلك، جزء من ذلك النسيج الذي يليق به وبأهله ذلك القانون، حتى لو ذهب بعض أهله إلى ما يضرُّ أهله قبل غيرهم. وإلى الانغماس في هوى إيران وأهوائها وطموحاتها وسياساتها وما يعنيه هذا من كيد باتجاه المحيط العربي إجمالاً والسعودي خصوصاً.. والذي يعرف الكبير والصغير والقريب والبعيد، أنه كيد راحَ به أصحابه إلى مستوى الافتراء والتآمر ومباشرة العداء تنفيذاً لمتطلبات طهران وطلباتها، وخدمة لأهدافها ومراميها. وتسويقاً لمشروعها القومي المزنّر باليقظة المذهبية الصرف.

وجاهِل أو متجاهل، مَن ينكر الواقعة القائلة بأنّ السعودية الآن بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وقبل الآن كانت ولا تزال أرحم بلبنان من بعض أهله. وأحرص عليه من بعض مدّعي حمايته وصونه. ومتفهّمة لأوضاعه أكثر بكثير من مدّعي الاختصاص في تلك الأوضاع.. ويكفيها في العموم والتفصيل أنّها لم تحاول السعي فيه، لا مباشرة ولا مواربة، إلى ما يفيدها على حساب ضرره. أو استغلال مصائبه ومصاعبه من أجل غايات خاصة بها. أو استخدامه لتسويق نفوذ أو إدعاء إنجاز أو إشهار بطولة مدّعاة!

وأوجب الوجوب، القول وتكرار القول، بأنّ السعودية لم تتعامل مع اللبنانيين بالمفرّق ولم تنظر إليهم بمنظار فئوي أو انتهازي، لا على المستوى المذهبي والطائفي، ولا على المستوى السياسي، بل كانت ولا تزال متمسّكة بذلك القانون الذي يحكم سياستها العامة إزاء لبنان وغيره، والذي ينصّ على التزام المعايير الحاكمة لعلاقات الدول مع بعضها البعض والقيم الأخلاقية الحاكمة لعلاقات الشعوب مع بعضها البعض. وإيثار الأنسنة على التوحّش. والاعتدال على التطرّف. والوحدة على التشرذم. والوصل على القطع. والسلام على الحرب والانقسام. والخير الصعب على الشرّ السهل. والجوامع على القواسم. والمشتركات على المفرّقات. والمصلحة العامة على الانتهازية الخاصة.

وقيل ويُقال وسيبقى يُقال، إن السعودية وقفت أمام اللبنانيين سدّاً في وجه تنامي مآسيهم ومصائبهم وأزماتهم. ولم تجعلهم سدّاً تقف خلفه خدمة لهوى عندها، أو مأرب، أو هدف سياسي.. وإنها في ذلك لم تخدع ولم تخادع. ولم تُمنّن أو تطلب أجراً أو مقابلاً. وحتى في ذروة التجنّي والافتراء عليها، لم تأخذ الكلّ بجريرة الجزء. ولم تأخذ البريء بجريرة المرتكب. ولم «تزر وازرة وزر أخرى».

منذ عودة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري من آخر زيارة له إلى الرياض، واللبنانيون في غالبيتهم العظمى يشعرون بتفاؤل أكبر من الجبال والأزمات والمصاعب. وبحصانةٍ إزاء احتمالات الشر والتأزيم. وبالإطمئنان إزاء الغد ووعود الصعاب.. ولا يُلامون على ذلك لأنهم يعرفون بالتجربة والمراس والفطرة والمكتسب، أنّ السعودية كعنوان قبل التفصيل، تعني لهم الأمن والأمان والاستقرار وهدأة البال.. والإيجابيات الأكيدات النافيات للسلبيّات ومآزقها.

علي نون