افتتح في غاليري جانين ربيز، الروشة معرض فني لفرانسوا سارغولوغو، يقيم ويعمل في باريس كفنان متعدّد التخصصات، رسام وناشر، وفي عمله الجديد نستكشف جوانب مهمة من صور بيروت في الستينات والسبعينيات، جوانب مختلف من صور وقضايا اجتماعية عبر «صندوق الفرجة».

خلف الصندوق، المرئي مناظر وشخوص وساحات، واقتفاء أثر المدينة بتقسم دائرة الى خطوط، وأضواء وتراصف أشكال وكتلٍ وهيئات وصور فوتوغرافية ومساحات سوداء غامضة وأشياء مضغوطة مجبرة على التخلي عن وظيفتها التقليدية وإن كانت قريبة من الواقع مع دلالة الصورة الفوتوغرافية.

«Beyrouth Empire» هي رحلة في تحوّلات المدينة أو أجزاء من تحولاتها الاجتماعية في زمنٍ غير متوقع مستوحى من «صندوق الفرجة» في إختبار بصري "خلف تلك الدائرة السوداء، مغامرة الى السرّ المرئي والأهم ما خلف المرئي.

فرانسوا سارغولوغو، يسجل تلك اللقطات ونقف أمامها نحن المتلقّين في شبه حيرة لا نعرف أي يبدأ المنظر الواقعي وأين يبدأ البعد الآخر،الذي اختاره الفنان هدفاً لممارسة تقنية في التعبير من مدنيّته، مسقط رأسه بيروت(نجل الفنانة ايفيت أشقر ).

متعة بصرية تشبه العودة القدرية الى صندوق الفرجة، الوقوف أمام لوحة، داخل اللوحة والبعد المضاعف فيها وإنتظام الأشياء فيها ظاهرياً. نماذج مجرّدة نسبياً من ملامحها التعريفية، غير التناغم ما بين التصوير، النص، مواد أرشيفية واستخدام مادة الأسيد (acide) في تشكيل مواد جمالية تعقد هيكليتها الأولى مع إضافات لونية ومواد ضغط و تنسيق في باطن لوحة متماسكة تجمع أطراف المنظر الذي يختبئ وراء ملامحها.

كل ما يخرج يشبه عملية التنقيب بين ما هو مرئي وما هو مستتر خلف اللون الأسود المهيمن على لوحات المعرض،والذي يتكرر بلا انقطاع، ليس تكرارا بيروقراطيا ً بل طبقات ذاكرة مضغوطة.

لا حدود فاصلة في الصورة، والرسم والمواد المختلفة المستخدمة واختيار صهر تشكيلي يؤدي الى ذوبان الحقل البصري بخلاف المواد الناشئة على السطح. والذي يخضع لعملية التحول في الشكل. الصور المعروضة لا تستجيب لأي تأثير، منظمة في بلوكات واقعية ومحددة بأطر نهائية على السطح بمادة الغريّ.

أعمال تحتل صالة العرض في ترسيم دائري، تشبه لوحات تصويرية، تعكس موقف الفنان من تقاليد تلك المرحلة الثقافية والاجتماعية، والتي ينقلها بحرَفيّة تحويل الصورة، بمزيج يضفي على عمله درجة معيّنة من التعقيد. ويساهم الفنان من خلاله المزيد من الواقعية الذاتية بالعمل التقني وبالتلاعب الحاذق في التشكيل والضبط والضغط، في مضاعفة الشحنة التعبيرية وتحقيق أشياء أحياناً مرئية وأحياناً مجردة.

كأن العرض يفتح حدود شفيفة على تلك اللحظات المصوّرة، يفتح على أحداث مؤطرة بالحدث الفني. الصورة هي الحدث ولكن ما يحيط بها يمثل إمكانية جديدة، صوتاً آخر متحولاً، تجاوز الواقع نفسه، الى الممكن الآخر والمتخيل عبر اللقاء المباشر مع العين مجدداً. مع الممكن في تركيب حدود لإعادة تصوير الواقع في مشروع تحديد تواريخ اللحظات القديمة.

ريبرتوار بصري يحمل رسالة العرض، وعي ما أحدثته الحرب الأهلية اللبنانية في فوضى الصور والمكان وإن غلّفت بالترميز التصويري والتجميلي بصورة حرب تركت أثراً عاطفياً وشعورياً في حقل بصري محدد.

وفيما يتجاوز تلك لالدائرة التي تحتوي الأرض والبحر في المدينة بعد نوستالجي آخر بمعاني نوعية في المدينة وصراعات مقفلة داخل تلك الدائرة التي ما تزال حيّة وحاضرة، مادة فرجة جديدة.

الصورة مأخوذة من بيروت قبل عقود، وبعضها اختفى وأعيد استعادتها بعد أن دُمّرت في دائرة الذاكرة، ويسعى الفنان الى إعادة تركيبها على نحو من التشكيل الكثيف والنص المكتوب بعد ثلاثين سنة وأكثر.

عمل فني يشبه فن البوب آرت أو العمل الأرشيفي وهي دعوة لصناعة حياة مع الطفولة السحرية ومع أشخاص حقيقيين من العائلة، الى تفاصيل حياة مدينة معقّدة في بطن الانموذج/اللوحة، وبالمقدار نفسه نقداً ساخراً لتحولات اجتماعية ولأشياء كثيرة. تتوافق بدقة وبمصادفات دقيقة في لوحة لتمثيل صورة مدينية ولادراك شعوري ثابت مع طابع رمادي أكثر.

أشياء كثيرة تبدو بعيدة. والفنان يمارس سلطة فنية في استحالة أن تصير حقيقته راهناً مثل صور العائلة التي من الصعب أن تعود، أو تلك الحديقة لاتي تركها في بيروت ليعود يوماً، هل يراها ؟ والفواكه المتروكة على الطاولة، وأزهار الأشجار الربيعية..

مساحة باردة شعورية سوداوية ورمادية ونصوصاً شاعرية غير مرئية تماماً. وإشارات لعالم من الحلم، الخيال، ولكن سطح اللوحة يبدو لزجاً كمعان سعادة مفقودة. إنه اللعب مع المتخيل التراجيدي بالمعنى التراثي، عالم رمزي موازٍ يفتح على واقع وتراث. سماء تنزل الى الأرض والأرض تصعد في جحيم. هكذا عالم شعوري مضغوط من تصادمات مواد تركيبية مختلفة وما بين التاريخ والحرية. هي صور عن الحرب من دون أن تكون صوراً مباشرة أخلاقية. ربما تحمل أثراً ما من الخوف، العنف، الدمار، الألم، الفوضى، الأنا، الذاتية، الطفولة وعلى ضفاف ذاكرة مجمّدة في دائرة واسعة من ضوء خافت ولكن حيويّ يمكن إنعاشه مع ضرورة الحياة نفسها وضرورة الاصطفاف حوله في علاقات هامشية.وكأنها مرآة ماكياج وبدقائق وشخوص جرى تحويلها، بما هو تجسيد، بدلالات غامقة، وبتمثيل أمزجة مضغوطة كالغرف المستقلة.