في سلسلة الندوات الثقافية التي تعقدها الجمعية اللبنانية للدراسات العثمانية، أقيمت في حرم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ببيروت، ندوةً بعنوان التغيرات الاقتصادية وارتباطها بالاقتصاد العالمي، وهي الثانية في سلسلة ندوات محورها لبنان بين الدستورين العثمانيين 1876-1908. شاركت في هذه الندوة البروفيسورة كريستين بابيكيان عساف، عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة القديس يوسف في بيروت، والباحث الاقتصادي الدكتور بطرس لبكي.

في البداية، ألقى الدكتور خالد زيادة، مدير فرع بيروت في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كلمة عرّف فيها بالمشاركَين، ورحّب بالحضور.

وقدمت بابيكيان مداخلة بعنوان مرفأ بيروت، إنشاؤه ودوره في الاقتصاد حتى الحرب العالمية الأولى، محاولةً الإجابة على الإشكاليّة الآتية: هل أدى استحداث مرفأ بيروت دورًا رئيسًا في نمو المدينة وفي تاريخ لبنان؟ ما كان تأثيره في رسم خريطة اقتصاديّة وسياسيّة جديدة بين بيروت وداخلها اللبناني والسوري؟ في مداخلتها، خاضت بابيكيان في ثلاثة محاور: الأوّل، بروز مدينة بيروت في القرن التاسع عشر ودور المرفأ فيها، متسائلةً: هل جاء إنشاء المرفأ الحديث نتيجة التغيّرات الاقتصاديّة ونموّ المدينة، أم كان من أسباب هذه التطوّرات؟ والثاني، إنشاء شركة المرفأ الحديث في الإطار العثماني والمحلّي، وفي إطار التغيّرات الاقتصاديّة في هذه الفترة الزمنيّة، مقدمةً وصفًا وافيًا للامتيازات التي حصلت عليها الشركة، واصطدامها بالمصالح المحلّيّة (بلديّة بيروت، ولاية بيروت، وغيرها)، والمشكلات التي نتجت منها وانعكاساتها على ميزانيّتها.

أما المحور الثالث فيتناول دور المرفأ في تطوير الاقتصاد المحلّي والإقليمي، وارتباطه بالاقتصاد العالمي، وانصهار المرفأ في المدينة من خلال إنشاء عدد من الطرق التي تربطه بالمدينة، ومن خلال إنجاز شبكة للسكة الحديد تصل بيروت بالداخلين اللبناني والسوري. كما يتناول أيضًا حركة التبادل التجاري عبر المرفأ، وانعكاس الإطارين الإقليمي والعالمي عليها.

بعد بابيكيان، قدم لبكي مداخلةً بعنوان لبنان: التغيرات الاقتصادية وارتباطها بالاقتصاد العالمي (1879-1908)، قال فيها«إن الفترة بين عامي 1876 و 1908 تتميز على صعيد الاقتصاد العالمي بالفرق بين مرحلتين:»مرحلة ركود في سبعينيات القرن التاسع عشر وثمانيناته (1870 – 1890) تميزت بتدني الأسعار والركود الاقتصادي، بسبب انتهاء المفاعيل الدافعة للنمو للثورة الصناعية الأولى. تسببت هذه الظاهرة بتباطؤ نمو الأنتاج والدخل، وتدني الربحية على الرساميل الموظفة وأشباع الأسواق الأوروبية. وسرّع هذا الواقع توجه الدول الأوروبية الصناعية نحو أسواق الدول الأقل تقدمًا في أوروبا الشرقية وآسيا الجنوبية والشرقية وأميركا اللاتينية وأفريقيا جنوبي الصحراء، كما إلى أسواق الدولة العثمانية في أوروبا وآسيا وشمالي أفريقيا. وتزامن هذا التوجه مع تصدير الرساميل إلى هذه المناطق لبناء المرافىء وسكك الحديد والطرق وانشاء المصارف والبيوتات التجارية والتسليف للحكومات وتطوير الأساطيل التجارية، لتأمين الأسواق للمصنوعات الأوروبية والمواد الأولية من هذه الدول للصناعة الأوروبية«.

في المرحلة الثانية، أي في تسعينيات القرن التاسع عشر، عاد النمو إلى الاقتصاد الأوروبي، فارتفعت أسعار الخامات والمصنوعات بشكل عام، مع بعض الانقطاعات حتى قبيل الحرب العالمية الأولى.

بحسب لبكي، كان الاقتصاد العثماني ضمن الاقتصادات التي خضعت للتوسع الأوروبي، فجرى تكييف قوانين السلطنة بما يتلائم مع مصالح الدول الأوروبية الاقتصادية والسياسية. عرفت هذه الفترة بمرحلة التنظيمات.

بقيت الصناعة والحرف العثمانية تتراجع نتيجة اتفاق بلطاليمان (1838) الذي حرم السلطة من إمكانية حماية إنتاجها من المنافسة الأجنبية، وزادت صادرات المواد الخام وواردات المصنوعات. كما ازداد الدين العام للدولة نتيجة الحروب المتواصلة التي خاضتها للحد من خسارة ولاياتها الأوروبية، والتي استنزفت خزينتها، بسسب تدني وارداتها بسبب إلغاء رسوم الجمارك عمليًا بعد اتفاقية بلطاليمان (1838)، وتراجع الصناعات والحرف في المدن، ما حرم الخزينة من الرسوم التي كانت مفروضة عليها.

أنشأ الدائنون إدارة الدين العمومي العثماني التي أشرفت على قسم مهم من واردات الدولة لتأمين سداد ديونها. كما ربط الدائنون إعطاء قروض جديدة بالحصول على امتيازات اقتصادية وسياسية في مجالات شتى. هكذا، دخلت المصارف الأوروبية إلى اقتصاد السلطنة، ووظفت الرساميل الأوروبية في الموانىء والطرق وسكك الحديد والصناعة التحويلية ومستلزمات الملاحة البحرية والنهرية. عرف الاقتصاد العثماني ركودًا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ونهوضًا تابعًا متقطعًا في تسعينيات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

أما التغيرات الاقتصادية في المناطق اللبنانية فتميزت، وفقًا للبكي، بما يأتي: تطورت وسائل النقل، وبُني مرفأ بيروت بشكل أثر في المناطق اللبنانية، وتوسع الاقتصاد الزراعي المنتج للسلع التصديرية، وتراجعت الحرف والصناعات التقليدية، وبقي بعض الصناعات المحدودة.

دخلت البضائع الأوروبية بقوة، وانتشر عمل المصارف الأوروبية انطلاقًا من بيروت. أصبحت بيروت العاصمة الاقتصادية»لبر الشام«، وجهزت بالكهرباء والماء والنقل المشترك. وتقدمت المغازل الأوروبية ثم تراجعت لصالح المغازل الوطنية التي لحقتها بالتراجع في أول القرن العشرين. أما طرابلس وصيدا فبقيتا على حالهما، بأستثناء نمو الحركة التجارية في طرابلس بعد ربطها بسكة الحديد بمدينة حمص في مطلع القرن العشرين. أما البقاع، فترعرعت فيه زارعة الكرمة وزراعة القمح للاستهلاك الداخلي. وبقيت الزراعة والحرف في جبل عامل للاستهلاك الداخلي بشكل عام، باستثناء زراعة التبغ. أما في متصرفية جبل لبنان، فنمت صناعة الحرير بعد ركود حتى العشرية الأولى من القرن العشرين، لتتراجع بسبب الهجرة الكثيفة إلى الخارج، والتي عمت مناطق جبل لبنان وبعض مناطق لبنان الشمالي وجبل عامل والبقاع.

ختم لبكي:»هكذا عرفت المناطق اللبنانية المختلفة تطورات مشابهة للتطورات الاقتصادية العثمانية، مع استثناء محدود في متصرفية جبل لبنان، حيث كان السكان معفيين من ضريبة العشر ومن الخدمة العسكرية ومن بعض الضرائب التي كانت تعود إلى إدارة الدين العمومي العثماني، وساهم ذلك في التميز النسبي لهذه المتصرفية".

تبع المداخلتين نقاشٌ مطول، أحاط بجوانب الموضوع، شارك فيه الحاضرون.