حقيقة بسيطة واضحة ومباشرة ومضيئة: لن تُعيد مجازر الغوطة الشرقية، إحياء رميم عظام السلطة الأسدية! بل أقصى ما ستنتجه هو تأخير مراسم «الإعلان» عن أفولها التام! وانتهاء «مفعولها»! وزوال حكمها! واندثار وظائفها!

وأوّل القياسات الدالاّت على تلك الحقيقة، هو أنّه كلّما حقّق المحور الروسي – الإيراني «إنجازاً» ميدانياً، تراجعت سلطة الأسد ولم تتقدّم! وازداد ابتعادها عن التحكّم بالقرار أكثر مما هي بعيدة أصلاً، ولمصلحة أصحاب ذلك المحور الذين (في كل حال) لا يتردّدون في ممارسة «صلاحياتهم» إزاء الكبيرة والصغيرة! ولا يستنكفون عن الجهر بذلك: الإيرانيون يقولون إنهم يدافعون عن «حدود» إيران! ونفوذها! في سوريا!

وسيستعيدون «كل قرش» صرفوه فيها! والروس مثلهم سوى أنّهم، بحكم غلاظتهم، يذهبون إلى السوق مباشرة حتى وإن وضعوا على مدخله لافتة محاربة الإرهاب! بحيث أنّ سوريا ساحة للتدريب واختبار أسلحتهم الحديثة! ومنصّة لطموحات العودة إلى الماضي المجيد! وملعباً للمقايضة، أو محاولتها، مع الغربيين والأميركيين.. وكثيراً ما قالوا في الغرف المغلقة ذلك وأكثر منه. وتحديداً: إنّهم لا يدافعون عن الأسد، بل كذا وكيت.. إلخ!

أي أنّ الرئيس السابق خسر ويخسر في الاتّجاهَين، ذهاباً وإياباً. خسر على أيدي أهل سوريا وثوارها، الشرعية والأرض والتسليم والإذعان! وخسر ويخسر على أيدي حُماته الذين فتكوا بالسوريين من أجل مصالحهم وليس من أجل طوله ووزنه! وهذه الخلاصة المركّبة لها سوابق في التاريخ «السوفياتي» تحديداً والذي لا يزال فلاديمير بوتين يتحسّر عليه.. ويعمل بموجبه: ستالين حرّر بالجيش الأحمر نصف أوروبا في الحرب العالمية الثانية، ومعها نصف ألمانيا. فَحَكمَ نصف أوروبا ونصف ألمانيا! وتحت لافتة «الاشتراكية العظمى»، باعتبار أنّ الإرهاب بالمفهوم الراهن، لم يكن قد وُلِدَ بعد! واللغو بمحاربته لم يكن قد اكتُشف بعد!

سوى أنّ فرادة الحكم الأسدي استثنائية ولا نظير لها ضمن تلك القياسات وخارجها: ساعد الألمان والطليان أيام هتلر وموسوليني، الجنرال فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية عشيّة الحرب العالمية الثانية، ومكّنوه من دحر أعدائه واستعادة سلطته، لكنّهم بعد ذلك، لم يفرضوا عليه إرادتهم! ولم يجعلوه «خيال صحراء» ولا فزّاعة خشبية! ولا صاحب سلطة صوريّة! في حين أنّ رئيس سوريا السابق صار كل ذلك مع إضافة أخرى: مقابل كل شبر أرض يدّعي «تحريره»، يخسر شبراً إضافياً من بقايا سلطاته! وهذه «بقايا» بكل معنى الكلمة وبإقرار القريب والبعيد، بعد أن ضيّع بالفعل كل وظائفه «السيادية» بكل أشكالها، أكانت تتعلّق بالحدود أو بالعلاقات الخارجية أو بالسيطرة على مخلّفات الجيش أو التحكّم بالأجهزة الأمنية.. وصولاً إلى «المصير» المزدوج: الوطني العام المتعلّق بالدولة ودستورها و«شكلها» المستقبلي، أو الخاص المتعلّق به شخصياً وبالبطانة العائلية والحزبية والفئوية المحيطة به!

هذا المخلوق صنو نكبة العصر لسوريا وأهلها.. وهو في ذلك، رَبحَ تماماً ولم يخسر!

علي نون