يحمل الثامن من آذار من العام 2018 بشائر خير للمرأة اللبنانية، المُقدمة على الانتخابات النيابية بكثير من الحماسة، بدليل الأرقام التي تبيّن ترشح 111 امرأة من أصل 976 مرشحاً، في حين لم يتجاوز العدد الـ12 مرشحة من أصل 702 في الانتخابات النيابية الأخيرة في العام 2009، بما يؤشر إلى ارتفاع نسبة المرشحات من 1,7 في المئة إلى 11,37 في المئة، على أمل أن يرتفع التمثيل النيابي من 3 في المئة، أي 4 نساء من أصل 128 نائباً، إلى رقم يليق بالبلد الذي كان السبّاق بين الدول العربية في حصول المرأة على حق التصويت والترشح في العام 1953، ولا سيما أن اعتماد القانون النسبي بحسب الخبراء الانتخابيين من شأنه أن يرفع حظوظ وصول المرأة إلى الندوة البرلمانية، حيث الرهان على الصوت التفضيلي ومن يكون الأقدر على تحصيل العدد الأكبر من الأصوات الانتخابية.

وإذا كان التقدم الذي لحظته الحركة النسوية اللبنانية في السنتين الأخيرتين ملموساً، فإنه لم يأتِ من فراغ أو حماسة زائدة أو قرارات عشوائية، ذلك أن البلد الذي تُشكل نسبة النساء فيه نحو 53 في المئة، ويحتل المرتبة 185 من بين 191 دولة في ما يتعلق بمرتبة تمثيل النساء، كان لا بد أن يردم تركات الحرب الأهلية وما خلفته من أثر بالغ على النساء اللواتي وجدن أنفسهن منذ سبعينات القرن المنصرم مسؤولات عن عائلة ومنزل في ظل غياب الزوج أو وفاته أو خسارته لمورد رزقه، وبالتالي فإنهن وضعن جانباً الحركة النضالية التي كن رائداتها وفي صفوفها الأمامية، ريثما يتعافى البلد وتنتظم الأمور والأحوال التي لم تكن يوماً سهلة عليهن، وصولاً إلى الشلل الذي أحدثه الفراغ المؤسساتي على مدى سنوات الشغور الرئاسي، فإذا بالعهد الجديد يهدي المرأة وزارة خاصة بها، لتواكب معها ضمن حراك المؤسسات الدولية والمجتمع المدني والجمعيات النسائية أبرز الخطوات اللازمة للعودة إلى الساحة التشريعية والتنفيذية، ولا سيما أن المرأة أثبتت تميزها في السلطة القضائية وفي مؤسسات الدولة التي تبوأت أعلى المناصب فيها.

وعلى الرغم من أن وعد «الكوتا» لم يسلك طريقه إلى التنفيذ، فإن غالبية الأحزاب والقيادات النافذة أبدت رغبتها في تشجيع التمثيل النسائي، وهو الأمر الذي يترجم عملياً في الشهرين الأخيرين، مدعوماً بالبحث عن مرشحات بإمكانهن تحريض وحث النساء على المشاركة في العملية الانتخابية، ولا سيما أن الأرقام الانتخابية السابقة أشارت إلى أن عدد النساء اللواتي اقترعن فاق عدد الرجال، إضافة إلى أن المرأة في ظل المتغيرات المجتمعية الراهنة، باتت مشاركة بفاعلية في الحياة الخاصة والعامة وفي العجلة الاقتصادية.

وفي خط موازٍ للحراك النسائي في السعي للفوز بمقاعد نيابية، وبالتالي تفعيل المشاركة في الحياة التشريعية، سواء من خلال الدعم الذي تقدمه الأحزاب أو المنطقة أو العائلة، أخذت وزارة شؤون المرأة على عاتقها مهمة صقل قدرات النساء القياديات والمرشحات والناخبات من خلال تنظيم العديد من ورش العمل، وذلك من منطلق الإيمان بأن دورها لن يكون مؤثراً في المجلسين النيابي أو الوزاري فحسب، وإنما لما له من انعكاسات إيجابية في مختلف مؤسسات الدولة، على أمل أن لا تعود قضية التمثيل النسائي في السلطتين التنفيذية والتشريعية مثار جدل واهتمام، بما يسمح للبنانيين الانتقال إلى حقبة جديدة قوامها أهلية الفرد في مدى تميزه في عصر الأفكار والابتكارات والاختراعات.

وما بعد محطتين واكبتهما المرأة اللبنانية، تمثلت الأولى بتظاهرة «الخبز والورد» التي قامت بها مجموعة من النسوة في شوارع نيويورك في الثامن من آذار من العام 1908، ونجحن في إثرها بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع، وتمثلت الثانية بفوز ميرنا البستاني في العام 1963 بأول مقعد نيابي، لا بد أن يعد العام الجاري النساء بمحطة جديدة تسجل لصالح المرأة اللبنانية، مدعومة هذه المرة بإرادة العهد الجديد والحكومة ووعي المرأة نفسها لقرارها الذي يجب أن يبقى حراً بعيداً عن وصاية الزوج والعائلة والمنطقة والاعتبارات الطائفية والمذهبية. فهل تتحرر المرأة من كل الارتهانات السابقة مسجلة في رصيدها للتاريخ ولادة حقبة جديدة بما ينسف التفكير السائد عن دورها والحاجة إلى صوتها في المواسم الانتخابية فحسب؟ يبقى السؤال برسم نحو مليون و900 ألف ناخبة في الطريق نحو تمثيل مجتمعي سليم ومعافى، بما يخدم في تمكين الإنسانية ودحض العنف والإرهاب والاتحاد من أجل السلام وإنهاء الإفلات من العقاب والاستثمار في الإنسان وتكافؤ الفرص وتنمية الأرياف، وكلها عناوين شكلت خارطة لأجندة دولية تتفقدها الهيئات الأممية من عام إلى عام، بأكثر من الدعوة إلى الاحتفاء بشريط وردي وربطة عنق ومهرجان وكلمات.