حتى الأمم المتحدة عجزت عن العثور على كلمات تصف حقيقة المحرقة التي يقوم بها النظام السوري والصواريخ الارتجاجية الروسية ضد المستشفيات في الغوطة الشرقية المُحاصرة منذ العام 2013 بما فيها من مئات آلاف المدنيين المنتشرين في قرى ومدن هذه المنطقة القريبة من دمشق، حيث تحصد طائرات الأسد وصواريخه ومدفعيته «الأطفال وأمهاتهم وآباءهم وأحباءهم» في «خسائر بشرية ضخمة» حسب بيان مقتضب لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).

وفيما أعربت واشنطن عن «قلقها العميق» إزاء القصف الذي يقوم به النظام السوري على مناطق الغوطة، حذرت باريس من أن «القادم أسوأ» ومن أن المجتمع الدولي على أبواب «فاجعة إنسانية» حسب وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، الذي أبدى خشيته من كارثة في البلاد. كما دعا رئيس الهيئة العليا للمفاوضات بالمعارضة السورية نصر الحريري المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات لوقف «حمام الدم».

فبعد سياسة الحصار المُحكم، يتّبع النظام السوري وبدعم روسي، سياسة الإبادة والتدمير الشامل لكل ما يقدم سبل لاستمرار المدنيين على قيد الحياة ويخفف عنهم الحصار القاتل الذي يعيشونه، فلم يكتفِ بما دمرته طائراته من مستشفيات ومراكز طبية في الغوطة الشرقية خلال الحملات المتتالية إضافة للحصار المفروض عليهم ومنع دخول الدواء والمواد الطبية، ليكمل في حملته الحالية قصف ما بقي من مستشفيات منها قصف بصواريخ ارتجاجية روسية.

فقد واصلت طائرات النظام وروسيا لليوم الثالث على التوالي عمليات القصف والقتل اليومي بحق أكثر من 350 ألف مدني محاصرين في الغوطة الشرقية، مسجلة مئات الشهداء والجرحى بين المدنيين العزل، وصلت أعدادهم أمس إلى 119 قتيلاً ومئات الجرحى، وسط صمت مطبق لدول العالم عما تمارسه روسيا والنظام من قتل يومي سوى بعض البيانات التي لم تؤثر في وقف القصف العنيف على مناطقهم.

وسجل نشطاء في الغوطة الشرقية استشهاد 119 مدنياً بقصف جوي من الطيران الحربي الروسي وطيران الأسد الحربي والمروحي، إضافة لراجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة التي طالت جميع بلدات ومدن الغوطة الشرقية، وتوزع الضحايا على الشكل التالي: 34 شهيداً في المرج و27 شهيداً في بيت سوى و11 شهيداً في عربين و7 شهداء في مسرابا و9 شهداء في دوما وشهيدان في الأشعري وشهيدان في كفربطنا وثلاثة شهداء في عين ترما و8 شهداء في زملكا و11 شهيداً في سقبا و5 شهداء في حمورية، في حصيلة مرشحة للارتفاع إضافة لمئات الجرحى من المدنيين، ودمار كبير في الأبنية السكنية.

وتعرضت بلدات ومدن الغوطة الشرقية لقصف عنيف بأكثر من 130 غارة جوية استهدفت بلدات ومدن عربين والنشابية وزملكا وعين ترما، وجوبر ودوما وحمورية وكفربطنا وبيت سوى والشيفونية وأوتيا ومسرابا ومديرا وجسرين، كما ألقى الطيران المروحي 44 برميلاً متفجراً على بلدات ومدن عين ترما والمرج وعربين ومسرابا وسقبا وحمورية وحزة ومديرا وكفربطنا.

كما قصفت قوات النظام بالمدفعية الثقيلة الأحياء السكنية في كل من بلدة الشيفونية ومنطقة المرج ومدن وبلدات بيت سوى وأوتايا وعربين وحرستا وعين ترما وجوبر ودوما وزملكا وحزة وكفربطنا، وقصفت بـ28 صاروخ أرض - أرض من نوع فيل مناطق حرستا والنشابية وعربين، و5 صواريخ عنقودية استهدفت الأحياء السكنية.

واستهدف الطيران المروحي التابع لنظام الأسد، مشفى دار الشفاء في مدينة حمورية ببراميل متفجرة عدة، تسببت بأضرار كبيرة داخل المشفى وخروجه من الخدمة بشكل كامل، كما استهدف الطيران المروحي مشفى طبياً في مدينة كفربطنا، ما تسبب بأضرار كبيرة، في سياق الحملة الجوية والصاروخية التي تستهدف المرافق الطبية بالدرجة الأولى وطواقم الإسعاف إضافة للمدنيين.

وذكر منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في سوريا، بانوس مومتزيس، في بيان «أفزعتني وأحزنتني جداً تقارير حول اعتداءات مرعبة ضد 6 مستشفيات في الغوطة الشرقية خلال 48 ساعة، مما خلف قتلى وجرحى».

وخرج مستشفى رئيسي في الغوطة الشرقية المحاصرة قرب دمشق من الخدمة، يوم الثلاثاء، بعد تعرضه للقصف، وفق ما أفادت الجمعية الطبية السورية الأميركية التي تدعمه.

وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن «طائرات روسية قصفت المشفى بصواريخ ارتجاجية»، موضحاً أنها «المرة الأولى التي تنفذ فيها روسيا غارات على الغوطة الشرقية منذ ثلاثة أشهر».

واعتبرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في بيان مقتضب أنه ليس هناك من كلمات يمكنها أن تنصف الاطفال القتلى في الغوطة الشرقية المُحاصرة قرب دمشق.

وجاء البيان الذي تلقت وكالة «فرانس برس» نسخة منه، على ورقة بيضاء فارغة تحمل عنوان «خسائر بشرية ضخمة»، ما يدل على ما تشعر به المنظمة من أسى تجاه الأوضاع المأسوية في الغوطة الشرقية المُحاصرة منذ العام 2013.

ونقل البيان جملة واحدة عن خيرت كابالاري المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة يقول فيها، إنه «ليس هنالك كلمات بإمكانها أن تنصف الأطفال القتلى وأمهاتَهم وآباءَهم وأحباءَهم».

ويأتي ذلك بعد يوم دموي في الغوطة الشرقية قتل فيه جراء قصف عنيف لقوات النظام نحو 119 مدنياً، بينهم حوالى 20 طفلاً. ومنذ العام 2013، تفرض قوات النظام حصاراً محكماً على الغوطة الشرقية.

ويزيد التصعيد الذي يتجدد بين حين وآخر من معاناة المدنيين الذين يعيشون وسط نقص فادح في المواد الغذائية والمستلزمات الطبية.

وتشهد الغوطة الشرقية منذ مساء الأحد تصعيداً عنيفاً للقصف الجوي من قبل قوات النظام، بالتزامن مع تعزيزات عسكرية تُنذر بهجوم بري وشيك. وأسفر القصف الأثنين عن مقتل أكثر من 100 مدني وإصابة نحو 450 آخرين بجروح.

وقال منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في سوريا بانوس مومتزيس في بيان إن استهداف المدنيين في الغوطة الشرقية المُحاصرة قرب دمشق «يجب أن يتوقف حالاً» في وقت «يخرج الوضع الإنساني عن السيطرة».

وقال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا إن من الوارد أن تتحول الغوطة الشرقية إلى حلب ثانية، في إشارة إلى ما شهدته مدينة حلب من قتال عنيف دام شهوراً في نهاية عام 2016.

وصرح دي ميستورا للصحافة «من الممكن أن تصبح الغوطة الشرقية (حلب ثانية).. نحن تعلمنا دروساً من ذلك، كما أرجو».

وأدانت الأمم المتحدة كذلك تعرض 6 مستشفيات للقصف في الغوطة الشرقية في سوريا خلال يومين، وقالت إن أي اعتداء متعمد ضد مبانٍ طبية «قد يرقى لجريمة حرب».

ودانت المعارضة الهجوم الذي تشنه قوات الأسد في الغوطة واعتبرته «حمام دم» و«جريمة حرب»، مشيرة إلى أنها قد تنسحب من مفاوضات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة احتجاجاً على ذلك.

وأدى القصف الجوي والمدفعي لقوات النظام بكثافة على الغوطة الشرقية إلى مقتل نحو مئتين وخمسين مدنياً وإصابة العشرات بجروح منذ الأحد، بينهم عدد من الأطفال والنساء.

وقال نصر الحريري رئيس هيئة التفاوض في المعارضة إنه من الواضح أن حكومة دمشق لديها «صفر اهتمام في الانخراط» في حوار.

وأبلغ الصحافيين في بروكسل بعد اجتماعه بمسؤولين أوروبيين أن «النظام السوري بدعم مباشر من روسيا وإيران حوّل الغوطة إلى حمام دم لنساء وأطفال أبرياء». وتابع أن «ما يحدث في الغوطة جريمة حرب. القانون الدولي واضح جداً في هذا الأمر لكن في سوريا لا يوجد تطبيق للقانون الدولي».

وأجاب رداً على سؤال حول الانسحاب من المفاوضات احتجاجاً على موجة العنف الأخيرة، «أننا ندرس كل الخيارات». وتابع الحريري «انظروا إلى ما يفعلونه في الغوطة. لذا، نحن ندرس جدوى العملية الجارية فيما نسعى لإنهاء معاناة شعبنا».

دولياً، صرح وزير الخارجية الفرنسي بأن «الوضع في سوريا يتدهور بشكل ملحوظ»، وحذر من أنه «إذا لم يطرأ عنصر جديد فإننا نتجه نحو فاجعة إنسانية».

وقال لودريان أمام البرلمان «هناك حالة طارئة قصوى في هذا الصدد (...) ولهذا السبب سأتوجه إلى موسكو وطهران (حليفتا نظام بشار) في الأيام المقبلة بناء على طلب من الرئيس (الفرنسي إيمانويل ماكرون)».

وأضاف الوزير الفرنسي «بنظري فإن القادم أسوأ (...) والسبب يعود إلى انسداد العملية السياسية (...) كل الظروف تدفع نحو تأزيم الوضع».

وأعربت الولايات المتحدة عن «بالغ قلقها» إزاء تصاعد الهجمات السورية والروسية على الغوطة الشرقية الخاضعة لسيطرة المعارضة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هيذر نويرت للصحافيين إن «وقف العنف يجب أن يبدأ الآن»، منتقدة ما وصفته بـ«سياسة الحصار والتجويع» التي يُمارسها نظام الأسد. واشارت المتحدثة إلى أن القصف «مقلق للغاية».

وفي شمال غرب سوريا، دخلت قوات موالية للنظام منطقة عفرين لمساعدة وحدات حماية الشعب الكردية على التصدي لهجوم تركي، الأمر الذي يثير احتمال اتساع نطاق الصراع.

وبعد قليل من وصول قافلة المقاتلين وهم يلوحون بأعلام سورية ويشهرون الأسلحة إلى عفرين، أفادت وسائل إعلام رسمية تابعة للنظام بأن تركيا استهدفتهم بنيران المدفعية.

ووصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القافلة بأنها مؤلفة من «إرهابيين» تحركوا بشكل مستقل. وقال إن نيران المدفعية التركية أجبرتهم على التراجع برغم نفي الجماعة الكردية ذلك.

وكان التلفزيون التابع للنظام عرض لقطات في وقت سابق تظهر مجموعة من المقاتلين وهم يعبرون نقطة تفتيش تحمل شعار قوات الأمن الكردية وردد بعضهم هتاف «سوريا واحدة» قبل دخول المنطقة.

وتهدف الحملة التركية التي بدأت قبل شهر إلى طرد وحدات حماية الشعب الكردية التي تراها أنقرة خطراً أمنياً كبيراً على حدودها من عفرين.

وأشادت وحدات حماية الشعب بوصول القوات المؤيدة للنظام السوري والتي تضمنت فصائل متحالفة مع الأسد لكن ليس جيش الأسد نفسه، وقالت إن تلك القوات ستنتشر على طول خط القتال بمحاذاة الحدود التركية، لكنها لم تأتِ على ذكر اتفاق قال مسؤول كردي إنه تم إبرامه مع حكومة الأسد ويسمح بدخول جيش النظام السوري إلى عفرين.

وفي وقت سابق قال أردوغان إنه حال دون نشر قوات الأسد ضمن اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني.

ووصف المقاتلين المؤيدين للنظام الذين وصلوا لمساعدة وحدات حماية الشعب بأنهم «ميليشيات شيعية» وقال إنهم سيدفعون ثمناً باهظاً.

وقال في مؤتمر صحافي «للأسف، يتخذ مثل هذا النوع من المنظمات الإرهابية خطوات خاطئة بالقرارات التي يقدمون عليها. من المستحيل أن نسمح بهذا. سيدفعون ثمناً باهظاً».

ونفى مستشار وحدات حماية الشعب ريزان حدو تأكيد أردوغان أن القافلة عادت أدراجها بسبب القصف المدفعي التركي لكنه لم يذكر تفاصيل عن حجم القافلة أو تشكيلها. وقال المرصد السوري إن قافلة دخلت عفرين بينما عادت أخرى أدراجها. وقال أردوغان «سيبدأ حصار وسط مدينة عفرين بسرعة خلال الأيام المقبلة»، مضيفاً أن ذلك سيؤدي إلى قطع المساعدات الخارجية.

(أ ف ب، رويترز، شام)