كأنّها بالأمس تحديداً.. وكأنّها جريمة لم تمرّ عليها السنوات الثلاث عشرة المنصرمة. وكأنّ هذه في صفوتها، لم تكن «تعقيباً» على صفحة الاغتيال، وترداداً لصداها، وترجمة لتداعياتها.

بل هي كانت كذلك وأكثر. حيث بعض الغياب يكثّف الحضور.. يتآخى مع الزمن، ويقلّص دورته ليجعلها مجرّد تتمّة ليوم الجريمة وساعتها ودقيقَتها. ثمّ بعد ذلك، يصير التعاقب في الأيام والشهور والسنين مجرّد إضافة تشبه الهزّات الارتدادية للزلزال الأول.

وفي بعض الأسى والشعر والأحزان المكتومة بعض العزاء والمواساة. والكثير من التعويض الافتراضي عن العمر الذي يمضي.. إلى الوراء! أو الذي يمضي كأنّه بديل عن فناء. أو الذي لا ينتبه أصحابه أنّه مرّ أو يمرّ من دون حياة!

لم يخطئ الظنّ مَنْ ظنّ أنّ فيك سرّاً. وأنّ سيرتك مثل السّحر. وأنّ الناس بفطرتها مسّتها صفوتك المقدّرة. وأسَرَها طِيب المقام فيك. وأدهشها البياض الذي في صدرك قبل يديك. والنقاء الذي في روحك قبل وعيك. والجود الذي في أخلاقك قبل حساباتك! والبراءة التي في أدائك قبل تلوينها بمقتضيات السّير والعيش بين الذئاب وأرباب الخبث، روّاد العدم وممتهني الانحطاط.

كان مقدّراً لكَ أن لا تُحتمل! حضورك أكبر من أوعيتهم. وأوسع من حدودهم. وأعقد من شروطهم. وأقوى من سلطاتهم.. واحتمالاتك، وإن لم تشأ، ولاّدة ضنى وأوجاع رأس وقلق لا سقوف له. قوّتك مركّبة وخارج القياسات المألوفة. كأنّك أخطر بريء يخاف منه الجلاّد! وأكثر مدني يهابه الفاتك المدجّج بالحديد والنار! وأوّل «حياتي» يخاف منه صنّاع القتل! هدوؤك يوتّرهم. وصوتك يستنفرهم. وابتسامتك تستفزّهم. وحملك خرائط البنيان يستدعي عندهم دبّ الصوت في غرف العمليات الأمنية والعسكريّة ووضع خرائط النزال والقتال على الطاولة! وريادتك في الخير تستدعي الاجتماعات الطارئة وضرب الأخماس بالأسداس وطلب الخطط والاقتراحات الكفيلة بوضعك عند حدّك! كرمك مزعج لبخلهم!وجيش الطلاب الذين رعيتهم وعلّمتهم أشدّ وطأةً عليهم من جيش «العدو» وجحافله المجوقلة! وأخطر خصالك وأشدّها قرصاً، إنك لا تعرف لغة الأفاعي التي يرطنون بها! ولم يأخذ الغدر مكاناً عندك ولو قصيّاً.. ولا خفّت حمولات الوفاء في قلبك وإن كان ثقل بعضها جليّاً. ولا تعرف كيف توقف ودّ الناس عنك! ولا تعرف كيف تمنّن المحتاج. ولا كيف تسدّ الأبواب أمام المساكين وعابري السبيل وكرام الأنفس الذين ضرَبهم الدهر بالإملاق! ولا كيف تهين كرامات الرجال. ولا التكبّر أمام الضعفاء. ولا العتوّ أمام البائسين! استمرأت الغربة عن ثقافتهم ولغتهم ولم ترعوِ! ووثّقت عروتك في ثوب الأخلاق ولم تتراخَ! وعقدت العهد والميثاق مع الفضائل ولم تخجل!

.. ولن أخفي عنك سرّي وضعفي: كل يوم أحكي لك قصّة. عن وطني المؤجّل. والناس التائهين. والأصحاب الذين كانوا. والأحلام الموؤودة. وكميّة الأمطار. وأحوال الثلج ومدى رأفته بفقراء القرى والدساكر البعيدة. وأخبار الدنيا وآخر القراءات والكتابات والتصريحات والهفَوات والنكات.. وأصحاب الحاجات. عن سجين مظلوم. وتلميذ مهموم. ومريض مكلوم. وأُسرة مستورة. وعن الذين يسألون عنك، ويحكون فيك القصص الجميلة كأنّك الجار والصاحب والصديق والقريب وابن البيت..

ولن أخفي عنك سرّي وضعفي: أنت والزمن عندي صنوان.. إلى آخر العمر.

علي نون