لا تُلام بقايا السلطة الأسدية على صمتها المديد إزاء حوادث يوم السبت الماضي. ولا إزاء جدّيتها التامّة في السعي إلى إنكار أي مسؤولية لها عن ما حصل، ولا عن الذي يمكن أن يحصل!

فذلك الصمت ذهبي خالص! وسرعان ما تلقّفته إسرائيل و«صحّحت» استنتاجاتها، من خلال التركيز على مسؤولية إيران «وحدها» عن التطورات المستجدّة! من دون إغفال بعض الأصوات التي لا تزال تشير إلى «وجود» الرئيس السابق بشار الأسد في الصورة لكن أيضاً باعتباره أحد صنّاع إيران، ليس إلاّ.

وربما هي الحالة الوحيدة، في السنوات الماضية، التي يُظهر فيها الأسد شيئاً من الواقعية المزدوجة. أولاً لأنه «يقول» من خلال صمته أنّه لا يملك أي قرار في شأن ما حصل. وهذا أمر صحيح وحقيقي! وثانياً لأنّه يعرف تمام المعرفة أنّ بقاءه حيث هو معلّق بخيط رفيع تمسكه إسرائيل بيدها تبعاً لحساباتها.. وإن هذه الحسابات هي التي لا تزال معتمدة عند الأميركيين والروس معاً وتمنع بالتالي إسدال الستار الأخير على هذا الفصل الكارثي من حُكم سوريا! وإنّ أي شطط أسدي كبير وجدّي سيقطع ذلك الخيط؟!

واللافت في المقابل، هو أنّ إيران مصرّة على العكس.. أي على توريط عاملها الدمشقي في ما لا يريده ولا يطيقه ولا يتجرأ عليه. وأحدث عوارض ذلك، هو كلام علي أكبر ولايتي مستشار «المرشد الأعلى» للشؤون الخارجية بالأمس والذي قال فيه حرفياً أنّه «يجب على الإسرائيليين أن يدركوا أنّ أي اعتداء على سوريا سيواجَه بالرد. فهذا حق لسوريا وغيرها».

على أنّ تتمة كلامه فيها خلاصة المعادلة التي تعتمدها إيران في سياساتها الخارجية. وهذه تقوم على الغُنْم وليس الغُرم: تؤكد أنّ «وجودها في سوريا سيستمر» لكنها تتلطى وراء أدوات حليفة لها في ساعة الشدّة والاحتدام.. تقاتل بغيرها، فإذا أفلحت، راحت تتغنّى بـ«انتصاراتها» و«إنجازاتها» ومدى إتساع نفوذها! وإذا أمحلت تركت كل العبء على غيرها وتنصّلت من التبعات، تماماً مثلما فعلَت في مستجدات السبت الماضي!

وذلك يؤكد مجدّداً أمرَين ثابتَين في السياسة الإيرانية العامة. أولهما عدم التورّط المباشر في حرب مع طرف أقوى! وثانيهما اعتماد الموقف الذي يتلاءم مع المصلحة الإيرانية العليا، بغضّ النظر عمّا إذا عنى ذلك ضرراً بالأتباع والحلفاء، كائناً مَن كانوا، وما كان مدى ارتباطهم وقربهم.

ألا يدلّ على هذه الاستراتيجية عدم حصول أي مواجهة، صغيرة أو كبيرة، هامشية أو أساسية، بين إيران والولايات المتحدة على مدى العقود الثلاثة الماضية؟ لا في البر ولا في الجو ولا في البحر؟ وألا يسري الحكم ذاته على إسرائيل نفسها؟ بحيث لم تُسجّل حالة اشتباكية واحدة مباشرة بين الطرفَين على مدى التاريخ الحديث برغم حدّة التعبئة وأطنان المواقف البلاغية، واستحضار الغيب والسماء والمشتقات الطبية في أدبيات المواجهات الإعلامية والسياسية المتبادلة! من «الشيطان الأصغر» إلى «الغدّة السرطانية» إلى «المحو من الوجود».. إلى المقابل القائل بـ«محور الشر»! ورعاية «الإرهاب» وصناعته! والتسبّب «بكل مشاكل المنطقة»؟!

.. طبيعي جداً أن تعتدي إسرائيل وتعربد أينما أمكنها ذلك، فهي عدوّ مكتمل المواصفات ومتمّم لشروط العداوة. لكن هل من الطبيعي أو من موجبات العدل والأنسنة ومقاييس الحلال والحرام، أن تستمر إيران في إحراق ديار العرب والمسلمين من أجل مصالحها وأهوائها ومشاريعها وغيبياتها ومذهبيتها؟ وهل من الطبيعي أن تُباد وتحُرَق الحواضر والمدن العربية من اليمن إلى سوريا مروراً بالعراق، ولا تُطلق في المقابل رصاصة واحدة (إنسَ الصاروخ!) على القدس المحتلة؟! وأن يُهجّر ملايين العرب من بيوتهم وأرضهم ولا يعود لاجئ فلسطيني واحد إلى أرضه؟! ألَم تكتفِ بعد إيران وأتباعها ممانعو آخر زمن، من الكوارث والبلايا التي لحقت بشعوب هذه المنطقة من العرب والمسلمين تحت حجّة مقارعة الصهاينة فيما هم لم يحرّروا شبراً واحداً من الأرض المحتلة؟! أليس من العار التغنّي بـ«البطولات» في وجه شعب سوريا المنكوب.. ثم التنصّل من المواجهة مع إسرائيل في ساعة الجدّ؟! أم ماذا؟!

علي نون