طريف شعار "مكافحة الفساد" في هذا البلد. هو اليوم، لا تخلو منه دعاية انتخابية لأي طرف من الأطراف. التفاوت يحصل بعد ذلك في مقدار التجريد والتلبيس، لكن الغالب على المشهد ان كلّ ربع يرى الفساد في عين الآخر. أنا أدعو إلى مكافحة الفساد والشفافية والمحاسبة والحكم الرشيد اذا الفاسد سواي. وبما ان الكل يدعو مثلي تماماً إلى مكافحة الفساد يصير "الفاسد الكبير" الافتراضي إما نحن جميعاً، وإما لا أحد.

لا يقتصر هذا الاشكال على لبنان وحده. مسألة مكافحة الفساد تفرض نفسها في كل بلدان العالم، وتستثمر فيها الاحزاب في كل انتخابات حاصلة غرباً وشرقاً. لكن منسوب التركيز على هذا الشعار "اللاتركيزي" مرتفع في لبنان اليوم، لأسباب مختلفة. منها، اشتداد روائح الفساد بالفعل، وكثرة ما يساق في عداده من ملفات، لا يلبث تصدُّر احدها للشاشة ان يُنسينا ما سبقه، ويتوارى بدوره خلف الستارة بعد اسابيع قليلة، وبعد ان يكون الصخب الاعلامي التراشقي حول الموضوع المعالج فضائحياً قد استهلك من وقت الناس.

تراجع الاستقطاب الاستقلالي - الممانعاتي جعل مكافحة الفساد تشغل حيّزاً أكبر في الخطاب الانتخابي. ومع ان عدداً كبيراً من المرشحين يتعامل مع هذا الشعار على أنه مبرر ترشيحه هو، فإن قلة من الناخبين ستركن الى معيار "الفساد واللافساد" لوحده، في يوم الانتخاب، إلا إذا كان هذا الشعار هو فقط من باب تزخيم المعركة مع خصم ليس الفساد هو السبب الاول لمنازلته ومخاصمته.

ليس فقط تراجع الاستقطاب الاستقلالي - الممانع، وخصوصاً انسداد المشروع الاستقلالي الجبهوي الجامع..أيضاً، هذا الفصل بين اشكاليات مكافحة الفساد وبين أي أفق لطرح موضوع "اعادة توزيع الثروة"، ولو بشكل محدود ونسبي وتدريجي ومنسجم مع اقتصاد السوق. إعادة توزيع الثروة مسألة جرت تنحيتها كلياً عن الخطاب الانتخابي في لبنان، يكاد يكون منذ البدء. مجرد التطرق اليها اليوم يُعتبر فعلاً خيالياً، في حين أن الخيالي هو الحديث عن مكافحة فساد وشفافية وحكم رشيد بمعزل عن الاشكالية الأم، اشكالية إعادة توزيع الثروة، وآلياتها وعواقبها وعلاقتها بمعدلات النمو وأكلافه وأنماط ترشيده ليكون إنتاجياً أكثر، ومتصالحاً مع البيئة أكثر.

والحال ان السياسة تصبح أكثر فأكثر في هذا البلد منتزعة منها "كليتان". كلية "إعادة توزيع الثروة"، وكلية "إعادة بناء السيادة"، سيادة حكم القانون المؤطرة بحقوق الانسان، سيادة الشعب على مؤسساته الدستورية، سيادة الدولة على ترابها وحدودها الوطنية وسياستها الخارجية وقرار الحرب والسلم.

هناك اذاً مسألتان، وطنية واجتماعية، تجري تنحيتهما، لصالح تجريدية مكافحة الفساد والشفافية والحوكمة والشعارات الشبيهة. التبرير يأتي في المقابل، احياناً هكذا: بسبب حجم الفساد جرى تعطيل اي طرح اجتماعي نافع او سيادي جدّي، وبالتالي لم يعد هناك ما يناقش إلا ملفات الفساد.

في هذا التبرير ما هو مصيب، لكن مصيبة هكذا تبرير انها لا تفتح المجال لا لإعادة الوصل مع الفكرة الاجتماعية الجدية الاساسية، إعادة توزيع الثروة، ولا مع مضامين السيادة الشعبية والوطنية المنتهكة بسبب نزعات الغلبة الفئوية واحتكار فريق للسلاح الموازي لسلاح الدولة، كما بسبب الاخفاق العام في الابتعاد عن المحاور الاقليمية والتموقعات الحادة في اطارها.

صحيح ان تقدير اتجاهات ونتائج الاستحقاق لا يزال أمراً مبكراً بعض الشيء، وأن سلوك معظم الناخبين لن يرتبط بالانتخاب على اساس معيار "الفساد"، لكن صحيح أيضاً أن هذا المعيار يفعل فعله الضمني في صياغة التشكيلة الانتخابية لكل فريق، وأنه، إذا تأمّن خطاب بمستطاعه بالفعل، جمع الاشكاليات الثلاث، السيادة والإصلاح الاجتماعي ومكافحة الفساد، بل الأربعة، مع قضايا حقوق الانسان والحريات العامة والخاصة، فإنه سيكون خطاباً يُعيد خلط الاوراق... لكن هكذا خطاب، قدر ما أن الحاجة اليه واقعية اليوم، قدر ما هو خيالي، والسؤال يبقى، هل بالمستطاع الاقتراب منه، ومن الحاجة، في أقل تقدير، لعدم الاكتفاء بشعار واحد عند خوض الاستحقاق؟