آي ويوي، أهو عراف أم متمرد؟ فنان أو رجل أعمال؟ قد يكون كل ذلك.. ففي مروره بباريس لتقديم فيلمه الجديد "Human Flow" للصحافيين، وهو وثائقي مُكرس لتدفق المهاجرين في العالم، ولم يوفر الفنان الصيني زيارة الرئيس ماكرون إلى الصين، مؤكداً "ان على الرجل الشعبي أن يتكلم دائماً أمام الشعب"، وأن "زعيماً يحترم التاريخ الإنساني يجب أن يتكلم بصوت أعلى عن حقوق الإنسان". إنه رد على تصريحات الرئيس الفرنسي الذي أكد التطرق "وجهاً لوجه" إلى ملف حقوق الإنسان مع الرئيس شي جين بينغ، ومن سوء الحظ، فإن كلمة الفنان الصيني رغم حريتها، لم تكن متمكنة من الموضوع. فقد اعتقل ثمانين يوماً في بلاده عام 2011 بتهمة "التهرب من الضريبة"، واحتجز جواز سفره منذ إطلاق سراحه، ولم يسترجعه إلا عام 2015. ومنذ ذلك الحين يعيش في برلين مع زوجته وابنه. هذا الفنان الصيني هو شخصية مركبة، فوالده الشاعر آي جينغ كان مقرباً من ماو، وأثناء حملة "المئة زهرة"، اتهم بالانحراف اليميني، وحكم عليه بالنفي إلى مناطق بعيدة، مجبراً على غسل الواجهات العامة من أجل لقمة العيش. طفولة آي ويوي موضوعة تحت علامة هذا الماضي الذابل. وبعدما تم تأهيل والده - ابتداء من 1978، يستطيع هذا إصدار قصائد - رحل إلى الولايات المتحدة، أملاً في اكتشاف "البوب ارت"، والغاليرات وخصوصاً أعمال الفنان مارسيل دوشان، في المتاحف. ويُذكر أن الوالد راسم بورتريه دوشان بريشة معدنية بسيطة وسماها "Hanging Man" (1985). وما زال ابنه ويوي متمسك بعرضها اليوم وبانتظام.

علاقات ويوي سلبية مع النظام الصيني، بعد عودته عام 1993، أثار اهتمام الغرب كرمز للإنسان المتمرد، استخدم شبكات التواصل لإطلاق آرائه، كمواطن له وسائله، صور ونشر تردداته إلى أقسام الشرطة، حيث كان يحاول تقديم شكوى بعدما اعتقلته الشرطة، أهو مثير شغب أم فنان؟ تحولت أعماله سلاحاً قاتلاً عندما نشر لائحة بآلاف الأطفال الذين قضوا تحت أنقاض مدارسهم في الزلزال الأرضي الذي ضرب ريف سيشوان عام 2008.

عرضت هذه اللوائح في متحف الرويال أكاديمي في لندن عام 2015، تمرد آخر: بينما كان ممنوعاً من الخروج من الصين، يعرض في مقرات معتقل الكاتراز الشهير في كاليفورنيا، وجوه 176 سجيناً أعيد تكوينها بواسطة الليغو. بينهم 38 سجيناً صينياً، منهم ليو كزيا وبو (حائز جائزة نوبل للسلام عام 2010، وتوفي في 13 تموز عام 2017).

هذه الأنشطة غذت المجال الإعلامي، لكن، وفي حين أن معارضه تتزايد عبر العالم، فإن قيمة أعماله لا تتبع حقيقة الحركة، بعيداً عن القيم الخيالية لجيف كونز ودميان هيرست، (فلنقل بعشرات ملايين اليورو)، فإن منحوتاته وتجهيزاته تباع في مزادات علنية ببعض مئات ألوف اليورو. لكن قياس الفنان يتصاعد، بحسب موقع "اريرايس كوم"، إلى 4,2 ملايين يورو: أخذها جامع فني أميركي. وهذه القطعة تتضمن 12 منحوتة لرؤوس الحيوانات، وإعادة تركيب ساعة مائية عام 1860 من قصر الصين في بكين. الفرنسيون والانكليز. وهذا العمل، أكثر من أشكال عندما نعرف أن السلطة الصينية، ومنذ سنوات، تنشر في العالم المنحوتات الأصلية لهذه الساعة المائية، رمز الماضي المجيد. فهل أراد ويوي تكريم هذا المجد؟ والمعروف أنه يجمع التحف الصينية القديمة حضارة بلاده "الفاسدة" (كما يقول لنفسه) تبقى المصدر الرئيسي للوحي. آلة انتاج، آي ويوي، وهو محاظ بفريق يسهر على تحقيق أعماله، وهو بالذات يؤكد أنه لا يقدم سوى "مفاهيم" وأفكار.

هنا ترجمة للحوار الذي أجرته معه مجلة "لونوفيل أوبسرفاتور" في عددها الأخير:

* ما هي الأسباب التي جعلتك تحقق فيلم "Human Flow"؟

- عندما أريد تجسيد مشروع، فمن المهم جداً تحضيره، مع فيلم "هيومن فلو"، لم يكن لي تجاوز هذه المرحلة، لأنه، وبالرغم مني، كنت متحضراً لذلك منذ طفولتي ولدت بعد عام من إدانة والدي الشاعر آي جينع ونفيه في بلده أثناء حملة "المئة وردة" عام 1956 (ماو تسي تونغ أطلق حركة، زاعماً، أنها لتحرير ألسنة الجماهير)، ولكنها أدت في الواقع، إلى تهجير أناس إلى أوروبا صفر الأيدي والجيوب. كيف يمكن أن نكون غير مبالين بهذا البؤس؟ عندها قررت الرحيل إلى ليسبو، هذه الجزيرة اليونانية، حيث كان المهاجرون يتدفقون إليها بالألوف يومياً، بدت لي السينما، عبر شكل الوثائقي أفضل طريقة لإظهار وجه هذه الكوارث. قبل كل شيء، بالنسبة إليّ، إظهار وجوه هؤلاء المنكوبين، وعلينا أن ننظر إليهم، إنها الطريقة الوحيدة التي يمكننا وعي ما يجري حولنا.

* في لندن، خصص لك معرض عام 2015 في "الرويال أكاديمي"، وأثناء افتتاحه كنت تشارك بتظاهرة لدعم المهاجرين، النحات انيش كايور إلى جانبك، لكن بقية النجوم الانكليز لمعوا بغيابهم، ما رأيك بصمت الفنانين؟

- ليس من شأني أن أقول لهم ما يجب أن يفعلوا أو يفكروا، ترعرعت في بلد، صين ماو، كانت فيه التربية تحث على الوطنية وعلى نظرة ما سياسية. وقد تبقى مني من ذلك شيئاً ما، لطالما امتلكت إدراكاً سياسياً للعالم. هذه النظرة قد لا تكون كاملة، لكنها نظرتي وأدافع عنها. ليست المسألة في معرفة مَن هو على حق أو لا، بل ماذا يجب أن نفعل أو لا نفعل، أنا عالمي الإنسانية، أناضل من أجل قضية أراها مؤسسة متينة وجيدة. يجب استقبال النساء، هؤلاء الأطفال، والرجال، أكلمك وما زلنا في باريس: تصور لحظة، ماذا ستكون أحوال متاحفكم إذا لم تكن تمتلك في مجموعاتها أعمال الايطالي موديليان، أو الهولندي فان غوغ، أو الإسباني بيكاسو؟ وعلى الرغم من كونهم غرباء، فإنهم استطاعوا العيش والعمل في باريس ونجحوا في الإبداع.

* ما أكثر ما لفت انتباهك عندما وصلت إلى ليسبوس؟

- إنه الخوف الذي رأيته على الوجوه، كان الأطفال يبكون، والشيوخ عاجزين عن النزول من الشاحنات، يبدون كلهم ضائعين، بلا حول ولا قوة، سمعت قصصاً كثيرة تحكي ضحايا الغرق والاختفاء. ما كنت أراه هناك، وما كنت أسمعه من قصص كان قصص عالمنا.

* أثناء هذه الإقامة، اتخذت لك صور فوتوغرافية على شاطئ الجزيرة، وأنت تأخذ وضع ايلان كوردي، الولد السوري ابن الثلاثة أعوام الذي غرق، وعثر على جثته في رمل بودرم، في تركيا، وقد أكدت في مقابلة أجرتها معك صديقتنا دوان بوي عام 2016، بأن "الحقيقة التي كانت صادمة وشنيعة، وليس الصورة"، وهو تصريح لم يبدُ مقنعاً، خصوصاً أنك في فيلمك نراك من جديد على الشاشة إلى جانب اللاجئين؟

- الانتقادات التي وُجِّهت إليّ آنئدٍ ليس لها أهمية كبيرة. فالسؤال الحقيقي هو التالي: هل يجب رفع جدار بيننا وبين آلامهم؟ أو ليس علينا أن نقوم برد فعل؟ اتهموني بأني أقوم بمسرحية، وهذا غباء تام، ربما ارتكبت خطأ لكني أردت عبر ذلك التعبير عما كنت أحس، أكرر قد أكون ارتكبت هفوة، لكن رأيت في هذه الانتقادات وكأنها تتوجه إلى الفن المعاصر، الاحتقار الذي يمكن أن نكنه للجمالية، أو طريقة التعبير مختلفة: صنع الفن لكي يقوم برد فعل وأنا استخدمه هكذا.

* لا تتكلم في فيلمك عن اللاجئين الذين يحاولون المجيء إلى أوروبا فقط، بل إنك زرت مخيمات اللاجئين في الأردن، ولبنان، وتركيا وكينيا...

- ما زال هناك ملايين النازحين عبر العالم، و5% فقط يصلون إلى أوروبا. معظم هؤلاء موجودون في تلك البلدان التي ذكرتها، الولايات المتحدة والبلدان الصناعية يتحملون المسؤولية في هذا الموقف. فهم الذين يبيعون أسلحة إلى المتمردين، فهم الذين يستفيدون من هذه التجارة. فازدهار البعض يُبنى على الموت، والإجرام، وبؤس الآخرين، فالبلدان الموفورة يجب أن تتحمل مسؤوليات هذا الواقع، يكلموننا عن العولمة، التي ألغت الحدود بين الشعوب، ونرى في الوقت ذاته بلداناً تغلق حدودها. هذا عبثي تماماً، ولا يمكن الاستمرار في التعبير أن المهاجرين جاؤوا لسرقة العمل من الآخرين وتدمير تناغم المجتمعات حيث يريدون أن يعيشوا. فالمهاجر شخص لم يكن له خيار آخر غير ترك بلاده لأنها في حالة حرب، ولأن هناك بؤساً، ولأن هناك أوضاعاً مناخية قاسية، وفي هذه الأحوال، لا أحد يترك بلاده برضاه.

* بطريقة ما، أنت أيضاً مهاجر لأنك تركت بلادك، عندما صادرت السلطات الصينية جواز سفرك منحتك السلطات الايطالية إذناً في الإقامة ستة أشهر، هل جددت الإقامة؟

- لا! فمنذ رحيلي إلى بيكين، استقررت في برلين، ومنحت إجازة عمل لأنني أعطي دروساً في الفن في جامعة برلين، فما دمت أعمل، فوضعي غير قابل للتغيير.

* هل تفكر في العودة إلى الصين؟ هل خطر لك الحصول على جنسية أخرى، المانية، أو فرنسية مثلاً؟

- في الوقت الحاضر لا يُطرح موضوع عودتي إلى بلادي، فقد اعتقل محاميي الإثنين، والعديد من أصدقائي في الإقامة الجبرية، أو في السجن، وآخرون اختفوا. الصين بالنسبة إليّ، بلاد فاسدة، ضحّت ببيئتها، وبتربية أولادها، من أجل مصلحة "العولمة". إذا عدت إلى هناك، فإنني سأكون معرضاً للخطر وكذلك عائلتي، سأعود إلى الصين عندما أعلم أن ابني يمكنه أن يعيش فيها بأمان. أما بخصوص طلب الحصول على جنسية، فلماذا تراني أفعل ذلك؟ عشت 12 عاماً في الولايات المتحدة بين 1981 و1993، لكنني لم أسع إلى الحصول على جنسية أميركية، أنا صيني، فلماذا لا يكون لي الحق بأن أبقى صينياً!

تقديم وترجمة ب.ش.