فوضى عارمة، وآراء مختلفة، مؤيدة وأخرى تستنكر العملات الرقمية الجديدة التي فرضت نفسها بقوة بعد المكاسب الصاروخية التي حققتها خلال العام الماضي وحتى بداية العام الجاري.

ومؤخراً ألقى البروفيسور ريتشارد غوردون، مدير معهد النزاهة المالية بجامعة كيس ويسترن ريزيرف الأميركية الضوء على شركة تقدم مبيعات مجهولة في مجال الفنون الجميلة والسيارات الفاخرة وهي تقبل الدفع باستخدام عملة "بيتكوين".

في المقال الذي نشرته صحيفة واشنطن إكزامينر يشير الكاتب إلى أنه يمكن اتباع هذه الآلية الجديدة في العمليات المحتملة لغسل الأموال والتهرب الضريبي في خضم معاناة النظم الرقابية في تتبع شعبية العملات الرقمية الجديدة الآخذة في الارتفاع.

ووفقاً للبروفيسور غوردون فإنه "عندما يصبح بإمكان أي شخص، وفي أي وقت، شراء أصول رأسمالية كبيرة دون وجود أي سجلات موثقة بذلك يصبح الأمر كفتح قناة لاستثمار عائدات العمليات الإجرامية دون الخوف كثيراً من أن يتم اكتشاف المسألة.

ففي حال رغب المرء بإخفاء هويته عن الدائنين أو الحكومات الغاضبة، فإن بمقدوره إنشاء شركة أو إعطاء ثقته لسلطة شرعية أو دائرة اختصاص تحترم سيادة القانون. ولكن السؤال يكمن في "لماذا الرغبة بمزيد من السرية ما لم تكن بالطبع قد قمت بجناية ما أو متهرباً من الضرائب؟".

المثير للاهتمام وفقاً لصحيفة "البيان"، أن الشركة التي تقع، مجازياً، في نيويورك الأميركية تقدم خدمة جديدة لأصحاب البيتكوين، وذلك بتحويل العملة الرقمية لثروة "ملموسة" عبر بيعهم مشتريات أو أعمال فنية باهظة الثمن، فضلاً عن السيارات والسلع الراقية.

ومن جهتهم، قال خبراء غسيل الأموال إن أول ظهور للشركة كان عبر متجر على شبكة الإنترنت، والذي قد يكون مرتعاً لمحتالي الضرائب والمجرمين، بيد أن الرئيس التنفيذي تؤكد على تمتعها بالخصوصية وملاءمتها للمعايير.

ولم يمض الوقت طويلاً على إعلان الشركة مؤخراً عن بيع أول قطعة فنون جميلة، وهي لوحة "مارك فلود" لعام 2013، مقابل 100 ألف دولار أميركي من البتكوين، وهي صفقة كانت من نصيب مشترٍ كندي لم يكشف عن هويته، الأمر الذي يجعلها "الشركة الأولى والوحيدة التي تتاجر بالأعمال الفنية الفاخرة في الولايات المتحدة وتقبل الدفع عن طريق العملات الرقمية".

وبحسب قولها فإن الشركة تمتثل للوائح وتدفع ضريبة المبيعات للدولة. كما أنها توفر طريقة الاتصال المشفرة وتشحن لجميع أنحاء العالم، ومع ذلك، يترك الأمر للمشترين للتأكد من أن الشركة، التي ليس لديها مكتب حقيقي، تمتثل للقوانين المعمول بها.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تقدم الشركة الأمريكية على موقعها على الانترنت سيارة لامبورغيني لقاء 230 ألف دولار، وأعمالاً فنية لفنانين معاصرين بعشرات آلاف الدولارات. ومما يزيد الأمر ريبة، فإن المسؤولة عن الشركة .

والتي تملك اطلاعاً واسعاً في مجال المبيعات الفخمة، قالت إنها قد سبق وتلقت عمليات إيداع بالبتكوين بغية شراء مركبات "مزدوجة". وينصح البيان الصحافي في الموقع العملاء المحتملين بأنه: "إذا لم يكن في الموقع غرض يريد العملاء شراءه عبر عملات البتكوين، فإنهم قادرون على توفيره لهم".

وخلال العام الماضي ارتفعت قيمة عملة بتكوين بحيث تحول مستثمرون صغار إلى أصحاب مليارات في غمضة عين كما يقال.

لكن يوازي ذلك سحابة من الإجراءات التنظيمية المحتملة، إذ أوضحت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض سارة ساندرز إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبحث فرض لوائح إضافية في الوقت الذي تحقق فيه مصلحة الضرائب الداخلية في مسألة التهرب الضريبي المحتمل.

ورغم ذلك تصر الشركة المزعومة على أنها تقدم واحدة من أكثر الطرق سلامة لنقل الثروة الافتراضية لسلع ومشتريات حقيقية ملموسة، فعملات الصرف الرقمية مثل "سوينباس" تقوم بحزمة من المعاملات اليومية، كما أنه يمكن التعرف على المستخدمين.

وفي السياق ذاته، أعرب خبراء غسيل الأموال أن مبيعات الشركة المجهولة صحيحة لأن مصلحة الضرائب لا تصنف "بتكوين" كعملة حتى الآن، وبذلك لا يتعين على أصحاب المشاريع تقديم تقارير لمصلحة الضرائب، حيث عادة ما تكشف الشركات عن هوية العملاء الذين ينفقون أكثر من 10 آلاف دولار.

وقال جاك سميث، المسؤول السابق والخبير في الاحتيال المالي الحكومي بكلية الحقوق بجامعة جورج واشنطن: "من السخف أن يسمح لهذه الثغرة بالبقاء حتى الآن" إذ إن المجرمين يعمدون لاستغلالها بحماس زائد.

هنالك بريق أمل على الجانب الآخر، إذ تعتزم الحكومة التايلاندية زيادة الرقابة على بتكوين وغيرها من العملات الرقمية من خلال مطالبة محولي العملة الرقمية بالإبلاغ عن معاملاتهم لوكالة مكافحة غسيل الأموال في البلاد.

ورغم التقارير التي تشير إلى اندفاع المستثمرين وحكومة كوريا الشمالية لاستغلال العملة الوهمية في معاملاتها للتهرب من العقوبات، أوضحت تقارير صحافية أن المسؤولين في جارتها كوريا الجنوبية يتخوفون من أن تسهم الـ "كريبتوكرنسيز" في إفساد الشباب، مع مخاوف من استنادها إلى عمليات غسيل الأموال، والتهرب الضريبي.

كما أن تدخل الحكومة الهندية مؤخراً لمنع استخدام العملة الرقمية في أنشطة غير مشروعة أو كأداة دفع ما هو إلا خطوة كبيرة من شأنها كبح غسل الأموال والمخدرات والاتجار بالبشر، وتجارة الأسلحة غير المشروعة وتمويل الإرهاب باستخدام هذه العملات.

ومن الناحية الأخرى، قد لا يتوقف الأمر عند ذلك، فتأثير البتكوين يؤثر على استهلاك الطاقة، عالمياً.

حيث أفاد تقرير نشرته المنصة البريطانية إلى الاستهلاك المرتفع للطاقة الكهربائية لتوليد "البتكوين" أو ما يعرف بعمليات الـ "MINNING"، حيث تتطلب تشغيل حواسيب بقدرات عالية وبحاجة ماسة لطاقة كهربائية تفوق استهلاك الأجهزة العادية، ليأتي كاستنزاف للطاقة ينذر بوقوع أزمات قد تؤثر على ديمومتها.

(عربي 21)