نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريرا لكل من سوني إنغيل راسموسين من بيروت وجيمس مارسون من موسكو، يقولان فيه إن سقوط طائرة عسكرية روسية يأتي في الوقت الذي يضغط فيه النظام على معاقل الثوار السوريين.

وتقول الصحيفة إن حملة الحكومة السورية لبسط سيطرتها على أحد آخر الجيوب المتبقية في البلد، حيث يسيطر الثوار، تتسبب بزيادة التوتر بين القوى الأجنبية، التي لها مواقف مختلفة من الصراع الذي دام لمدة 6 سنوات.

ويشير التقرير إلى أن إدلب تعد مقرا للعديد من المجموعات المعارضة لرئيس النظام السوري بشار الأسد، الذي تأتي جهوده للقضاء على الثوار فيها، بعد أن نجحت حكومته في مد سيطرتها على مساحات واسعة من سوريا، بفضل قوة حلفائه الروس والإيرانيين.

ويستدرك الكاتبان بأن الهجوم على إدلب يعني دخول مرحلة خطيرة، حيث تتحرك القوى الأجنبية المختلفة قريبا من بعضها، فيما بدأت التحالفات ضد تنظيم الدولة تتنازع فيما بينها.

وتنقل الصحيفة عن مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أكلاهوما جوشوا لانديس، قوله: "إن إدلب تمثل التعقيدات الجمة التي تشكلها سوريا للجميع؛ لأنها آخر معقل للثوار، لكنها في الوقت ذاته أكبر معقل للثوار المرتبطين بتنظيم القاعدة وأكثر الملتزمين إسلاميا".

ويلفت التقرير إلى أن احتمال الاحتكاك بين موسكو وواشنطن برز مع إسقاط الطائرة المقاتلة الروسية، ومقتل طيارها في إدلب، حيث أعلنت مجموعة كانت مرتبطة بتنظيم القاعدة سابقا يوم السبت مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة الروسية من طراز "أس يو 25"، باستخدام صاروخ أرض جو محمول فوق مدينة سراقب، مشيرا إلى قول وزارة الدفاع الروسية إن الطيار الذي هبط بمظلته من الطائرة قتل في الاشتباك مع الثوار.

ويذكر الكاتبان أن الطائرات الروسية قامت بعد ذلك بساعات بقتل حوالي 30 متطرفا، بحسب ما ذكره الإعلام الروسي نقلا عن وزارة الدفاع الروسية، كما قتل ما لا يقل عن 14 مدنيا في الغارات الروسية، بحسب الدفاع المدني "الخوذات البيضاء"، مشيرين إلى أن غارات الطائرات الروسية وطائرات نظام الأسد قتلت ما لا يقل عن 144 مدنيا في إدلب على مدى الأسابيع الخمسة الماضية، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان في لندن.

وتجد الصحيفة أنه مع أن القوات الأمريكية والروسية حاربتا تنظيم الدولة في سوريا، الذي تم طرده من عاصمته الرقة العام الماضي، إلا أن القتال في إدلب سبب توترا لأي تحالف.

ويفيد التقرير بأن الكرملين لم يعلق يوم الأحد، إلا أن مشرعا روسيا يحسب على الصقور، رأى احتمال تورط أمريكا في الهجوم الذي أسقط المقاتلة الروسية؛ لجر موسكو نحو الحرب، حيث قال النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الشيوخ الروسي فرانز كلينزفيتش، إن أمريكا أمدت الثوار بالصاروخ عن طريق طرف ثالث، ولم يقدم أي دليل على ادعاءاته.

وأضاف كلينزفيتش، بحسب وكالة أنباء "إنترفاكس": "تريد أمريكا أن تظهر أن الحرب لم تنته، وأن الروس لم ينتصروا، لكن الروس انتصروا.. أعتقد أنها ضربة أمريكية في ظهر روسيا".

وينقل الكاتبان عن وزارة الخارجية الامريكية، قولها إن أمريكا لا تقوم بتسليح الثوار في إدلب، بالرغم من التماسات عديدة، إلا أنها رفضت أن توفر لهم صواريخ "مانباد" المحمولة والمضادة للطائرات.

وتورد الصحيفة نقلا عن المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيثر نيويرت، قولها: "لم تقدم أمريكا صواريخ (مانباد) لأي مجموعة في سوريا، ويقلقنا كثيرا أن مثل هذه الأسلحة يتم استخدامها".

ويشير التقرير إلى أن أمريكا حذرت من أنه ستكون لسيطرة قوات الثوار المتطرفين على إدلب عواقب وخيمة على استقرار سوريا، وستجعل من الأصعب إقناع روسيا بالتخفيف من هجماتها، لافتا إلى قول المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي الذي يحارب تنظيم الدولة، بريت ماكغيرك، إن إدلب "أكبر ملاذ آمن لتنظيم القاعدة منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر".

ويقول المحلل لانديس للصحيفة إنه نظرا للتهديد الذي يشكله المتطرفون الإسلاميون في المحافظة، فإن أمريكا ستغض الطرف في الوقت الذي يقوم فيه النظام السوري المدعوم روسيا "بتمشيط إدلب".

ويورد الكاتبان نقلا عن ناشطين في سراقب، حيث قتل الطيار الروسي، قولهم بأن روسيا توقفت عن القصف مساء السبت، فقال الناشط المعارض منذر كوتاني: "قد يكون توقف القصف لتسهيل التفاوض بشأن تسليم جثمان الطيار".

وترى الصحيفة أنه مع مقتل الطيار الروسي فإن آفاق حل الصراع من خلال المفاوضات أصبحت أكثير ضيقا، فمعظم الثوار المعارضين للأسد قاطعوا آخر جولة من مفاوضات السلام، التي عقدت في منتجع سوتشي الروسي، بالإضافة إلى أن أمريكا والقوى الغربية اختارت عدم المشاركة، مشيرة إلى أنه بناء على طلب ملح من روسيا، فإن المبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي ميستورا حضر الاجتماع، لكن لم ينتج عن المحادثات سوى بيان يحترم سيادة سوريا ووحدتها.

وبحسب التقرير، فإن الهجمة على إدلب ستقلل من أوراق المعارضة السورية، التي كانت تأمل أن تستخدمها في جولات الحوار القادمة، لافتا إلى أنه في الوقت الذي اتفقت فيه تركيا مع روسيا وإيران على التهدئة في إدلب وغيرها من المناطق في سوريا، فإن الهجوم يتسبب في رفع التوتر بين البلدان.

ويلفت الكاتبان إلى أن تركيا، التي تملك ثاني أكبر جيش في تحالف الناتو، تؤيد فصائل معارضة سورية مسلحة تعدها معتدلة، منوهين إلى أن هيئة تحريرالشام، التي كانت منتسبة في السابق لتنظيم القاعدة، والتي أعلنت عن مسؤوليتها عن إسقاط المقاتلة الروسية، ليست مدعومة بشكل مباشر من أنقرة، لكنها تعمل بالقرب من القوات التركية.

وتقول الصحيفة إن "تركيا تجد نفسها معزولة سياسيا في سوريا، وتواجه معارضة أمريكية لخطط السيطرة على أراض في شمال سوريا من الأكراد السوريين، الذين يسعون لحكم ذاتي محدود داخل فيدرالية، وهو ما تراه تركيا تهديدا لأمنها، وفي الوقت ذاته رفضت كل من روسيا وإيران الطلبات الملحة لإيقاف الهجوم ضد إدلب".

ويبين التقرير أنه مع مقتل الطيار الروسي، فإن سكان إدلب يخشون الآن من القادم، حيث يقول الناشط ضد الحكومة في سراقب عارف وتد، بأن الناس بدأوا بالفرار من سراقب باتجاه الحدود التركية.

وتختم "وول ستريت جورنال" تقريرها بالإشارة إلى قول وتد: "الناس قلقون من الانتقام الروسي، فهم يقصفون إدلب منذ تدخلهم".

(عربي 21)