شوقي بزيع في مجموعته الشعرية الجديدة «الحياة كما لم تحدث» (عن دار الآداب، بيروت)، يتفوق على نفسه، في قصائد مفترعة من لغة خصبة، أبعد من التبسيط، والقوالب الشعرية الخاصة، تجاوز البوحية، والمناسبية، إلى استشفاف تجربته من عمق «عمره». وحياته، بوقفات تأملية، حيّة، وبمداخل جديدة للغة. الإرث الذي صاغه بزيع على امتداد شعره، متراكم، ومتوالد، على استمرارية، عمودية وأفقية. لكن في مجموعته الصادرة حديثاً، اشتغل بصبر، على مكامن البنى، والعلاقات الكميائية والفيزيائية، والتحتية على قصائده. إنها اللغة، بمدلولاتها الباطنية، كأنما خرجت على ما يمكن وصفه بذائقة القارئ «الجماعي» إلى ما هو أكثف، وأكثر تركيباً، وأعمق تعاملاً مع المواصفات السابقة. إنها القصيدة المركّبة، بكل متعلقاتها، وروافدها، وبواطنها، وإيحاءاتها. وهذا في رأيي لم نجده، في أعماله الماضية كما وجدناه اليوم. طزاجة اللعبة الطويلة والتماع اللعبة الكثيفة، وطراوة المساحة التأملية، التي عرف في معالجتها كيف يجنّبها الذهنية الجافة، أو الخطابية المبسطة أو حتى المباشرة المجوفة. إنها لحظات حية متواصلة، تمتزج فيها عناصر القصيدة في فضاء متشابك، ومتصادم، لكن بلحمة بنائية تجعل من الكتاب كله «قصيدة» مصنوعة المتواليات، لا بلاغة شكلانية عرفناها إلى حدّ كبير مع شعراء الخمسينات أو الستينات أو السبعينات.. ولا قوافي طنانة، تخبط الحواس بضوضاء تلقائية تطريبية. ولا جناسات تحسّن الإيقاعات الخارجية. ولا استعارات تحيلها على تفاسير مبسطة، كأن تفسر الماء بالماء. إن هذه العناصر البلاغية لم تعد زخارف تخفي وراءها فراغات في المشاعر أو تصوراً في المستوى الذهني، أو إعراضاً عن ملاحقة البناء الموضوعي - الداخلي في العمل.

هنا بالذات تتحول الغريزية الشعرية (والشعر غريزة فائضة)، نوعاً من الكتابة هي، في قوتها، لا تنفي لحظات من الشفوية، لكن ليس تلك الشفوية التي تسعى إلى التطريب البراني؛ ولا إلى توسل الذائقة السائدة، ولا إلى وضع القصيدة على منصة الغناء، أو الهدهدة، بل في مناخ الهمس المعبّر، والصمت الموحي. ربما، على حد علمي، هي المرة الأولى التي نحس بقوة الصمت الموحية عند شوقي بزيع. الصمت، هو البياض الذي يحمل الدلالات والمسافة المفتوحة، وليس البياض «الزخرفي»، أو اللعب بغباء على سينوغرافيا الصفحة. وهنا بالذات يبدو للكلمة في القصيدة دور فيزيائي، إيقاعي يختبر، بجدية، تركيب مكونات القصيدة. الكلمة الجسدية، تقرع، أبواب الجملة، المتواصلة، كبنية قطبية في صناعة البنية الشعرية. إنها الإيقاع. لكنها نبض الموسيقى التي تلعب دوراً من خلال الكيميائية التي تذيب كل روافد العمل في وحدة عضوية داخلية. وبمعنى آخر، يبدو كل شيء (وربما للمرة الأولى) عند بزيع جزءاً من داخل الجسد. من حواسه، من تناقضاته. من وعورته. من شهواته (واللغة شهوة!) ورغباته، وخيباته، وزمنه المتداعي في ما يسمى نضج العمر - أو بداية خيانته، أو نهاية سيادة الكائن عليه. من هنا بالذات، يأتي الكلام على هذه المناطق الملتبسة، على غموض الإشارة، وانخفاض النبرة... ليتداعى كل شيء من الداخل. كل ذلك، مسيس اللغة بكل أعراض الوقت، ومشتقاته، ولحمه، وعروقه، ومضاربه، وانحساراته البطيئة،

تقرأ شوقي وكأنك تكتشف نواحي لم تعهدها من قبل عنده. وهذا عائد إلى أسبابه، بمواده التعبيرية، على صوغٍ خارجي - داخلي للتجربة. هنا بالذات، لا تتذكر في إلمامك، شعراء «اللغة»، أو المدرسة اللبنانية، كسعيد عقل (ولكن كأمين نخلة الأكثر رهافة بالتعامل مع مخزون الإرث)، كما أنك لا تستذكر ما يمكن أن يكون وقع العديد فيه، وهو تبني النموذج السيابي (الانسيابي المركب)، أو البياتي (التبسيط) ولا أدونيس (اللعبة اللغوية الهاتفة)، ولا صلاح عبد الصبور (اللغة اليومية الاستشفافية)، بل ربما تستذكر الشاعر الكبير الياس أبو شبكة، ذا العصب المشدد، والعصبية المستنفرة، والجملة النافذة، والإيقاع الحاد، ولا خليل حاوي واللغة الأسطورية - السردية الذهنية المفسرة.. ولا أعني هنا تأثر شوقي المباشر بشاعرنا الكبير (شاعر الأعمال والتمرد والحطم)، بل مجاورة لتجربته (ولكل شاعر مجاورته الشعرية أحياناً).

وهنا يهمني من خلال «إنجاز» شوقي الجديد، بعد أربعين عاماً من تجارب الحياة والحروب... والمآسي، أن أشير وإن بشكل ملتبس، إلى أنّ شوقي خرج بهذا العمل من ركب شعراء كبار، لم يتجاوزوا تجاربهم الأولى الرائعة، فراحوا يكرّرونها، بعدما ضمنوا تكريساً (والتكريس أحياناً يفضي إلى الجمود والترداد).

ويمكنني هنا أن أستيعد تجارب الشاعر الكبير محمود درويش: بداياته كانت جزءاً من موروث الشعراء الحداثيين، وصوتاً للقضية الفلسطينية، بما يتطلب ذلك من علاقة قريبة، عضوية بالجمهور؛ وكأن الجمهور كان يكتب له قصيدته. لكن إذا أخذنا أعماله الأخيرة نجد أنه قفز قفزة مذهلة، في تجاوز اللغة، فقدم لنا «قصيدته» (التجريبية)، الخاصة، التي، على اتصالها بقضيته أو سواها، ذات نبرة جديدة، ونصوص طليعية مركّبة.

وهو بذلك كأنه سار عكس تيار الشعراء الذين يكتبون قصيدة، ثم يكتفون خارج هواجس «نفي» الذات، وإدراك مناطق تجارب جديدة.

كتاب شوقي بزيع الأخير، «الحياة كما لم تحدث»، هي خروج ما، على أنماط شعره السابق ومتطلباته ومفارقاته.

إنه لحظة جعلت أفقه أكثر انفتاحاً، ولغته أكثر كثافة، ودلالاته أكثر تنوعاً، وخصباً!

أحببنا شعرك يا شوقي.

مختارات

بيوت الكهلة

نحن رحّالة الوقت،

حراس أعطابه في الخلايا

وأفخاخه في المنافي

وسكان أنفسنا الغائبين

صوّبتنا إلى غير مرمًى سهام الظنون،

ومالت بنا دفة العيش

أبعد مما أعدت متاهاتنا

من هُوًى

فنأينا بعيداً

ولم نتمهل لضفر التفاتاتنا

نحو حصباء ليل القرى

بأكاليل صالحة للتذكّر،

لم نتمهل لوضع النقاط

على درب عودتنا المستكين

ولكن،

وقد بدت الأرض أقرب من أن نحنّ إليها

ارتجلنا لأوهامنا مدناً من دخان

مصفحّة بزجاج الشرود المقوّى،

ورحنا نزيّن أبواقها بالصراخ

وأبراجها بالمنصات

كيما نطلَّ فرادى

على موطئٍ سابقٍ للأمان

قطعنا الطريق إلى العيش وثباً،

على حدِّ ما هتف المتنبي بأطلالِه،

ولكننا عند خط الدفاع الأخيرِ

عن النفس في وهنها

لم نكفّر بأن الزمانْ

دائريٌّ كما الأرض،

لم نبتكر لمساقط أرواحنا وهي تمعنُ

في الثُّكْلِ

إلا قفيرَ صحارىً مؤهّلةٍ

لاختراع السرابْ

كان لا بد من أن نعود إذاً نحوها،

نحو تلك البيوت التي أسلَمَتنا طواحينها

لهواء الغياب

وها نحنُ نرجعُ كي نستردَّ،

ظماءً وأنصافَ غرقى،

ودائعنا من بريق النجوم

وحلوى النعاس،

وما سيّلتْهُ شفاه الحنان الأموميّ

فوق وسائدنا

من لعابْ

وكي نستردّ، وقد غَلَبَتْنا مخارز

ريح الخواءِ على أمرنا،

ما تركناه من رجْع أصواتنا

عالقاً ببيوض التراب

كان لا بدَّ من أن نعود،

ولو عجَّزاً وحفاةً من الانتظار

وصفْر اليدين

لندركَ أن الحياة قطارٌ

يسير على سكَّتَين

تُقلاّن أهواءنا وفق ما لا نخطِّطُ:

واحدةٌ للذهاب

وواحدةٌ للإياب

ولكننا إذ تعود بنا الساعة القهقرى

لا نكاد نرانا

كأنّا نُسينا تماماً

كأن الذي عاد من تهيهِه

أحد غيرنا،

أحدٌ ربما كأننا ذات يوم

ولم يعد الآن إلا دليلَ

تكاثُرنا في الظلاِل

ونقصاننا في الصُّوَر

والوجوهُ التي أُخليت من ملامحنا

لم يعد لانعكاساتها في مرايا براءتنا

من أثر

فمن دوننا واصلت سيرها الأرضُ،

من دوننا نشر الضوء نَيْئاً ملاءاتِه

فوق سيقان عشب السطوح،

ومن دوننا واصلت عشرات الصراصيرِ

تكرار معزوفة الليل،

والصيفُ ابَّنَ عريانَ

ما أرّختْه أكفُّ الظهيراتِ

من وَفَيات الشجر

نحن رحالةَ الوقت،

أيتامَهُ وسباياهُ،

مَن لوّحوا لطفولاتهم بالقناديلِ

كي لا يحلَّ الظلامُ على الضحكاتِ

التي خلَّفوها وغابوا،

ومن أطلقوا طائراتِ سماواتها الورقيّةَ

كيما تحلِّق ريَّانةً

فوق أنقاض أعمارهم

وكيما تمدَّ لهم مقعدين يد العون،

نحن الذين تعفّف دمع مناحات نسوتهم

عن تبادُل ياقوتِه

مع مجاري المياه البعيدةِ

إلا لماماً،

تركنا الحياة إلى حالها وكبرنا بعيداً

ولم ننتبه مرّةً لاصطفاقِ السنابلِ

إذ تتأوَّه صفراءَ

من لسعة الشمس،

لم ننتبه لحرير الأغاني

ومستَنْبتَاتِ أنامل حمَّى البلوغ العنيفةِ

في عزفها المستمرِّ على وتر الجنسِ،

لم ننتبه لانعقاد رياحينَ

فاغرة الفمِ

حول تلمُّظ نعناعها البرعميّ،

ولا للأعاصيرِ إذ تتلوى بمفردها

كالثعابين

عند انحباس المطر

فماذا إذن نبتغي من بيوت الكهولةِ

حين نؤوب إلى فيئها

أهْي محض افتنانٍ بما فاتنا

من فراديسَ غائرةٍ

في كهوف بداياتنا،

أم لنجعل مما بنينانهُ مستودعاتٍ

لتخزينِ خرْدة أعمارنا المهملة؟

أم آنا نشيّدها رغبةً في التخفُّفِ

من ربق الأسئلة؟

نحن نعرف في عمقنا

أننا لن نعيش طويلاً

لنشهد جدرانها وهي تحفى من اللونِ

خلف الطلاء

وقد لا يتاح لنا أن نُعاين إلا قليلاً

شحوب نوافذها حين تبلى،

وأشجارها حين تكبُرُ،

لكننا لا نملُّ التأمُّل في ما أحطناهُ

من سحرها

بالكثر من الإعتناء

ربما للإشاحة بالوجه عما يباغتُ

أحلام يقظتنا من كوابيسَ مجهولةٍ،

ربما لا نسوِّرها بالحدائقِ

إلا لنعصم أفكارنا

من نُيوب الهباءْ

وكيما تُهدهد رغبتنا بالبقاءِ

وتلأم أنفاسنا لاهثينَ

ووحشتنا قانطينْ

تركنا الحياةَ طويلاً إلى حالها

ثم جئنا أخيراً

لنمشي الكهولةُ هوناً بنا

وكي نتذكَّر،

إما تمادى بنا السهوُ،

أن البيوت التي تمَّ تشييدّها

لاحتساء السكينةِ،

أو لانتظامِ الزمان على صورةٍ

غير فوضاهُ،

ما هي إلا تماريننا إذ نشيخُ

على فكرة الموت،

ما هي إلا المقابرُ مقلوبةً

والنكوصُ إلى مهدنا صاغرين:

وما هي،

عند التخوم الأخيرة للعيش،

إلا هدايا الطفولةِ

للعائدين إلى أمسهمْ نادمينْ